فلسطينيون في تجمّع سكاني في المنطقة (ج) بالضفة الغربية غير موصولين بشبكة المياه. صورة أرشيفية من مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية

الفلسطينيون يكافحون للوصول إلى المياه في غور الأردن

كجزء من

ساهمت مجموعة المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية والمنظمات الشريكة فيها في كتابة هذا المقال.

يقول سالم، البالغ من العمر 45 عامًا وأب لخمسة أطفال: «كنا نشتري المياه المنقولة بالصهاريج بأسعار باهظة للغاية، أما الآن فيصعب علينا حتى أن نعثر على أحد يُحضر المياه إلينا خشية من أن يصادر الجنود الشاحنة.»

يسكن سالم في تجمّع حمصة البقيعة السكاني الفلسطيني، الواقع في المنطقة (ج) في شمال غور الأردن. ويقع هذا التجمع السكاني في شطر كبير منه في منطقة مصنّفة باعتبارها «منطقة إطلاق نار» مخصصة لتدريب الجيش الإسرائيلي، حيث تحظر السلطات الإسرائيلية على الفلسطينيين الإقامة فيها ووصولهم إليها. وفي مناسبات عديدة منذ العام 2012، هجّرت السلطات الإسرائيلية سكان حمصة البقيعة مؤقتًا عن تجمعهم عندما كانت تُجري التدريبات العسكرية بجواره. وسجل مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أكثر من 50 حادثًا من هذا القبيل خلال تلك الفترة.

Palestinians in an Area C community of the West Bank not connected to the water grid. Archive picture by OCHA
فلسطينيون في تجمّع سكاني في المنطقة (ج) بالضفة الغربية غير موصولين بشبكة المياه. صورة أرشيفية من مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية

كما هجرت السلطات الإسرائيلية معظم أبناء التجمع في ست مناسبات منذ يوم 3 تشرين الثاني/نوفمبر 2020، بعدما هدمت منازلهم ومبانيهم الأخرى وصادرتها. ومؤخرًا، في يوم 22 شباط/فبراير من هذا العام، صادرت السلطات الإسرائيلية 18 مبنًى سكنيًا وحظيرة مواشٍ، فضلًا عن الطرود الغذائية والمباني غير المركَّبة وخزانات المياه. وكان معظم هذه المواد مقدَّمة في سياق الاستجابة الإنسانية التي جاءت بعد حوادث مشابهة وقعت في أيام 1 و3 و8 و16 شباط/فبراير، حيث هُدم خلالها 64 مبنًى أو صودر، مما أدى إلى تهجير نحو 60 شخصًا، من بينهم 35 طفلًا. ودعت لين هاستينغز، المنسقة الإنسانية للأرض الفلسطينية المحتلة، في بيان صدر عنها في يوم 24 شباط/فبراير، السلطات الإسرائيلية «إلى وقف جميع عمليات الهدم الإضافية التي تطال منازل الفلسطينيين وممتلكاتهم على الفور والسماح لمجتمع العمل الإنساني بتقديم المأوى والغذاء والمياه لهذه الفئة الأكثر ضعفًا ولأولئك الأشخاص بالبقاء في منازلهم.»

وهذا التجمع السكاني غير موصول بأي من شبكات المياه أو شبكات الصرف الصحي، ولا تتيسّر لسكانه إمكانية الوصول إلى خدمات جمع النفايات الصلبة. ولذلك، يُضطر السكان إلى شراء المياه من مورِّدين من القطاع الخاص بسعر يصل إلى 40 شيكلًا (نحو 12 دولارًا) للمتر مكعب، وهو ما يبلغ ثمانية أضعاف متوسط سعر المياه الذي يدفعه الفلسطينيون في الضفة الغربية.[1] كما يُضطر هؤلاء السكان إلى تقاسُم المراحيض بين عدة أُسر وحرق النفايات الصلبة. وفي أعقاب عملية الهدم الجماعي التي نُفذت في شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2020، قدم مجتمع العمل الإنساني لسكان التجمع 20 خزان مياه للوفاء ببعض احتياجاتهم من المياه. وقد صادرت السلطات الإسرائيلية هذه الخزانات في يوم 22 شباط/فبراير. ومنذ ذلك الحين، بات المورّدون من القطاع الخاص يمتنعون عن نقل المياه إلى التجمع خوفًا من أن تصادر السلطات الإسرائيلية شاحناتهم أيضًا.

وفي شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2020، تعرّض ياسر، وهو أب لثمانية أطفال وأحد سكان حمصة البقيعة، لمصادرة جرّاره الزراعي وصهريج المياه المتنقل عليه، وهما الوسيلة الوحيدة التي كانت تيسر له نقل المياه إلى أسرته وماشيته.

«كنت أسير مسافة تقارب 15 كيلومترًا كل يوم لأُحضِر المياه لأسرتي وماشيتي. وقد صادرت السلطات الإسرائيلية صهريجنا المتنقل في شهر شباط/فبراير ويرفض الموردون من القطاع الخاص إحضار المياه إليّ لأنهم يخشون من فقدان صهاريجهم. ومنذ ذلك الحادث، أرسلت جميع أفراد أسرتي وماشيتي إلى تجمع قريب، لأنه ليس في مقدوري أن أؤمّن لهم المياه في منزلنا.»

Water tanks confiscated by the Israeli authorities in the Palestinian community of Humsa - Al Baqai’a (Tubas) in the northern Jordan Valley. Photo by the WASH Cluster.

وتُعدّ الأحداث الأخيرة التي شهدتها حمصة البقيعة جزءًا من نمط أوسع. فحتى يوم 31 آذار/مارس 2021، شهدت التجمعات السكانية في غور الأردن زيادة فاقت نسبتها 400 بالمائة في عمليات الهدم والمصادرة (139)، بالمقارنة مع الربع الأول من العام 2020 (27). وتمثل الأرقام الواردة من غور الأردن نحو 50 بالمائة من المباني المستهدفة ونحو 70 بالمائة من الأشخاص المهجّرين في الربع الأول من العام 2021.

مسح احتياجات الناس من المياه في غور الأردن

تُنسق وكالات الأمم المتحدة والمنظمات غير التابعة لها، ممن تستجيب لاحتياجات المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية، عملها من خلال مجموعة المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية. فبين شهريْ أيلول/سبتمبر وكانون الأول/ديسمبر 2020، أجرت المنظمات الشريكة في المجموعة مسحًا شمل 68 تجمعًا سكانيًا فلسطينيًا في غور الأردن. وقيّمت هذه المنظمات احتياجات المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية في كل تجمع من تلك التجمعات، وسجلت الخدمات المتاحة فيه، ورصدت كيفية الوصول إلى هذه الخدمات وحددت الفجوات التي يتعين معالجتها. وتضم التجمعات السكانية المختارة نحو 60,000 فلسطيني، يقطن 12,500 منهم في المنطقة (ج)، التي تحتفظ إسرائيل بسيطرة شبه حصرية عليها، بما يشمل سيطرتها على البنية التحتية، وإجراءات التخطيط، والبناء، والتنقل وإنفاذ القانون. وبسبب نظام التخطيط التقييدي،[2] لا ترتبط غالبية التجمعات السكانية الفلسطينية في المنطقة (ج) بغور الأردن بشبكة المياه و/أو تواجه العقبات على صعيد إعادة تأهيل الشبكات القائمة وإنشاء خزانات المياه أو ترميمها.

ووفقًا لهذا التقييم، يعتمد نحو 60 بالمائة من السكان الذين شملهم المسح في المنطقة (ج) اعتمادًا كاملًا أو جزئيًا على نقل المياه بالصهاريج (انظر الرسم البياني)، حيث يحصلون على المياه إما من الآبار أو الينابيع القريبة منهم أو من نقاط التعبئة في التجمعات الأخرى. وفي وِسع ما يقل عن نصف السكان (41 بالمائة) الاعتماد اعتمادًا كليًا على شبكات المياه. كما يعتمد نحو 40 بالمائة من هؤلاء على المياه المنقولة بالصهاريج بسبب الكميات المحدودة من إمدادات المياه عبر شبكة المياه.

وتدفع الإمكانية المحدودة للحصول على المياه بالعديد من الأسر إلى البحث عن بدائل، من قبيل تجميع مياه الأمطار ونقل المياه بالصهاريج. ومع ذلك، فليس في وسع هذه البدائل أن تفي بالاحتياجات الأساسية لما تستهلكه هذه التجمعات من المياه لأغراضها المنزلية وفي تأمين سبل عيشها بسبب ندرة هطول الأمطار في غور الأردن على مدى الأعوام القليلة الماضية[3] وارتفاع تكلفة المياه المنقولة بالصهاريج والتي تتأثر تأثرًا مباشرًا بالقيود التي تفرضها السلطات الإسرائيلية على الوصول،[4] . ولذلك، يتعين على تلك التجمعات أن تلجأ إلى آليات للتأقلم، كتقليص الكمية اليومية التي تخصصها لمياه الشرب، وهو ما يشكل مخاطر تهدد الصحة والنظافة الصحية، أو تقليل استهلاك المياه في استخداماتها المنزلية أو في سبل عيشها، وهو أمر يؤثر على نظافة المنازل ويحد من قدراتها على المحافظة على ما تملكه من أصول تؤمّن سبل العيش لها (كالمواشي والأراضي الزراعية). وفضلًا عن ذلك، ثمة مخاوف إزاء نوعية مصادر المياه، بالنظر إلى أن غياب الأنظمة المناسبة لمراقبة الجودة ورصدها تعرّض الناس للمخاطر الصحية الناجمة عن الأمراض المتصلة بالمياه.

وبسبب القيود التي تفرضها السلطات الإسرائيلية على الوصول، والبنية التحتية الرديئة وخطر المصادرة، يتراوح متوسط أسعار المياه من ضعفيْ إلى أربعة أضعاف متوسط سعرها في الضفة الغربية بعمومها (5 شواكل أو 1.5 دولار للمتر المكعب)، في 36 في المائة من التجمعات السكانية في المنطقة (ج) بغور الأردن. وبالنسبة للتجمعات الأخرى (31 في المائة)، يُعدّ الحصول على المياه أعلى تكلفة من ذلك، حيث تصل إلى ثمانية أضعاف متوسط سعرها. ويتراجع استهلاك المياه في هذه التجمعات إلى ما يقل عن 50 لترًا للفرد في اليوم، بالمقارنة مع توصية منظمة الصحة العالمية (100 لتر للفرد في اليوم).[5] وفي المقابل، تصل خدمات المياه المنقولة بالأنابيب إلى جميع الأسر المقيمة في المستوطنات الإسرائيلية القريبة من تلك التجمعات. وتتيسر لهذه الأسر إمكانية الحصول على إمدادات دائمة ولا حد لها من المياه بأسعار تستطيع تحمّلها (9 شواكل أو 2.8 دولار للمتر المكعب لاستخدامات الشرب، و2.8 شيكل أو 0.9 دولار للمتر المكعب للاستخدامات الزراعية). وتفضي هذه الإمكانية غير المحدودة للوصول إلى المياه إلى معدلات استهلاك تبلغ 300-440 لترًا للفرد في اليوم،[6] وخاصةً في المستوطنات الإسرائيلية التي ترتكز على الزراعة.

كما كشف التقييم الذي أجرته مجموعة المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية عن أن مرافق الصرف الصحي في التجمعات السكانية الفلسطينية الواقعة في غور الأردن لا تستوفي الشروط الدنيا التي تقررها منظمة الصحة العالمية بشأن النظافة الصحية الملائمة والخصوصية والكرامة.[7] فما يربو على 95 بالمائة من جميع التجمعات السكانية التي شملها المسح لا تصلها خدمات الصرف الصحي، ولا يملك العديد من الأسر القدرة على الوصول إلى مراحيض صالحة للاستخدام، سواء كانت داخلية أم خارجية متنقلة أم ثابتة. ووفقًا لمؤسسة (WeWorld-GVC)، وهي إحدى المنظمات الشريكة في مجموعة المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية، يفيد سكان هذه التجمعات بأنهم معرضون لمخاطر تهدد سلامتهم بسبب عدم توفر ما يكفي من تلك المرافق وبأنهم محرومون من الخصوصية عندما يلتمسون مكانًا يقضون فيه حاجتهم أو عندما يتقاسمون مرحاضًا مع أسر أخرى.[8]

وتقول فاطمة، التي تبلغ من العمر 36 عامًا وأم لستة أطفال وتقطن في حمصة البقيعة: «بما أننا لا نملك ما يكفي من المراحيض، أُضطر في بعض الأحيان إلى أن آخذ أطفالي في جوف الليل مسافةً تصل إلى 50 مترًا لكي يقضوا حاجتهم. ونحن نعاني من العنف الذي يمارسه المستوطنون الإسرائيليون. فالوضع ليس آمنًا.»

كما أكد التقييم أن أكثر من 70 بالمائة من هذه التجمعات (68 تجمعًا) لا تستفيد من أي من خدمات النفايات الصلبة، مما يدفع الأسر إلى حرق نفاياتها أو دفنها أو طمرها في محيطها.

وتعرّض الإمكانية المحدودة للوصول إلى خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية في غور الأردن السكان للمخاطر التي تهدد سبل عيشهم، وصحتهم وحياتهم الاجتماعية. فالأسر لا تتيسر لها القدرة على المحافظة على مستوى مقبول من النظافة الصحية، ويُضطر عدد كبير منها إلى مغادرة تجمعاتها خلال أشهر الصيف الحارة لكي تجد مصادر مياه بديلة لسقاية مواشيها. ويُعدّ الأطفال وكبار السن الأكثر عرضة للمخاطر الصحية، ولا سيما خلال جائحة كورونا. وتكافح النساء للاضطلاع بدورهن التقليدي في ضمان الوفاء بمستوى ملائم من معايير الصحة والنظافة الصحية في أسرهن. وعلاوةً على ذلك، لا تتحمل الأسر في عمومها التكاليف المتزايدة التي يستتبعها الحصول على الحد الأدنى من خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية.

مساعدة الفلسطينيين على الوصول إلى الخدمات المتصلة بالمياه

تعمل مجموعة المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية والمنظمات الشريكة فيها على تحسين الإمكانية المتاحة لأكثر التجمعات السكانية ضعفًا في غور الأردن للوصول إلى ما يكفيها من خدمات المياه والصرف الصحي على قدم المساواة وعلى نحو آمن يحفظ لهم كرامتها. وتقدم المجموعة للأسر المراحيض وخزانات البولي إيثيلين والصهاريج المتنقلة، وتعيد تأهيل خزانات المياه العامة في هذه التجمعات. كما تدعو المجموعة السلطات الإسرائيلية إلى السماح بإتاحة الإمكانية لربط التجمعات التي تفتقر إلى الخدمات في المنطقة (ج) بشبكات المياه المنقولة بالأنابيب والصرف الصحي.

وفي خطة الاستجابة الإنسانية للعام 2021، قدمت المنظمات الشريكة في المجموعة سبعة مشاريع تبلغ قيمتها 1.2 مليون دولار وتستهدف 11,000 شخص من سكان التجمعات الواقعة في المنطقة (ج) بغور الأردن. وتشمل هذه المشاريع، في حال تمويلها بالكامل، تمديد أنابيب المياه وإعادة تأهيلها، وتركيب خزانات المياه للأسر، ونقل المياه بالصهاريج، وتوفير المراحيض، فضلًا عن الحملات التي تعزز النظافة الصحية. ولم يجرِ تمويل سوى 20 بالمائة من طلب المجموعة حتى نهاية شهر آذار/مارس.


[1] يبلغ متوسط سعر المياه في الضفة الغربية 5 شواكل أو 1.5 دولار للمتر المكعب.

[2] للمزيد من المعلومات، انظر «تقييد الحيز: سياسة تخطيط المناطق التي تطبّقها إسرائيل في المنطقة (ج) في الضفة الغربية».

[3] The average annual rainfall in the Jordan Valley is 166 ml. In 2020, only 65 per cent of this figure was reached.

[4] Tubas Governorate Access Restrictions | July 2018.

[5] Domestic Water Quantity, Service Level and Health, World Health Organization 2003.

[6]  مجموعة المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية، 2021.

[7] WHO GUIDELINES ON SANITATION AND HEALTH.

[8] Community Protection Approach (CPA) of WeWorld-GVC.