نشرت بتاريخ 14 مايو 2019
 كجزء من  

تزايُد عمالة الأطفال في قطاع غزة

يعاني نحو 68 بالمائة من الأُسر في غزة من مستويات حادة أو متوسطة من انعدام الأمن الغذائي، كما شهد معدل البطالة ارتفاعًا من 44 بالمائة في العام 2017 إلى 52 بالمائة في العام 2018.[1] ففي ظل اقتصاد يشهد قدرًا متزايدًا من انعدام الإستقرار ونسيج اجتماعي يعتريه الضعف، تتعرّض قدرة الأُسر على الصمود للمزيد من التآكل، وتتفاقم حالة الضعف التي تعيشها مجموعات بعينها، كالأطفال. وغدت عمالة الأطفال، بمن فيهم الأطفال الذين يعملون في مهن خطرة، آلية شائعة للتخفيف من وطأة الفقر وتأمين المصاريف اليومية.

فوفقًا للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، انخرط نحو 4,840 طفلًا من بين 372,600 طفل تتراوح أعمارهم من 10 أعوام إلى 17 عامًا في أعمال بدوام كامل في غزة خلال العام 2018. وإضافة إلى ذلك، كان 1,490 طفلًا تتراوح أعمارهم بين 10 أعوام و17 عامًا يعملون في أثناء التحاقهم بالمدارس. وعلى وجه العموم، كان ما نسبته 2 بالمائة من أطفال غزة ممن يقعون في الفئة العمرية من 10 أعوام إلى 17 عامًا يُستخدمون في أعمال بدوام كامل أو دوام جزئي في العام 2018. ويُتوقع أن النسبة الحقيقية أعلى من ذلك، بالنظر إلى أن عدد الأطفال ممن تقلّ أعمارهم عن 10 أعوام وينخرطون في عمالة الأطفال غير معروف.

وتعيش غالبية الأُسر التي لديها أطفال عاملون تحت خط الفقر.[2] ويزيد عدد أفراد الأسرة من هذه الأسر عن المتوسط، كما تتّسم بمعدلات بطالة مرتفعة لدى كِلا الأبوين فيها. ويُستخدم الأطفال العاملون في غزة، بصورة رئيسية، في التجارة وخدمات المطاعم والزراعة. كما يعمل الأطفال في مهن تتّسم بقدر أكبر من الخطورة، من قبيل جمع الحصى، ورشّ المبيدات الحشرية، وفي أعمال البناء/الهدم. ويعمل معظم الأطفال العاملين لمدة خمس ساعات في اليوم مقابل مبلغ يصل في المتوسط إلى 100 شيكل (28 دولارًا) في الشهر.[3]

ويسبب الوضع الإجتماعي والإقتصادي المتردّي في غزة أثرًا سلبيًا على حقوق الأطفال وعلى قدرتهم على الحصول على التعليم في المدارس وفي بيوتهم، حيث يتجلى هذا الأمر في التسرّب من المدارس. ووفقًا للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، فقد تسرَّب 2 بالمائة من الطلاب من مدارسهم في غزة خلال العام الدراسي 2016/2017. ويزداد تعرُّض هؤلاء الأطفال لخطر عمالة الأطفال و/أو المشاركة في أنشطة تهدّد حياتهم، مما يزيد من وتيرة المَطالب المتصلة بتأمين خدمات الحماية التي ترزح تحت ضغط هائل في الأصل في غزة.

مؤشرات الإقتصاد الكلي

الصندوق الإنساني – مشاريع حماية الأطفال في غزة

من بين المشاريع التي يموّلها الصندوق الإنساني للأرض الفلسطينية المحتلة، كجزء من المخصصات القياسية الأولى للعام 2018، مشروع تبلغ قيمته 250,000 دولار ضمن إطار حماية الأطفال في قطاع غزة. ويركّز هذا المشروع على الوفاء باحتياجات الحماية لدى الأطفال الضعفاء في غزة من خلال نظام إدارة حالات حماية الأطفال. وتتولّى مؤسسة أرض الإنسان وثلاث منظمات غير حكومية محلية شريكة تنفيذ هذا المشروع، الذي يستمر حتى نهاية شهر أيار/مايو 2019.

وكجزء من المخصصات القياسية الأولى المعتمدة للعام 2019، ينوي الصندوق الإنساني للأرض الفلسطينية المحتلة تمويل مشروع آخر تصل قيمته إلى 260,000 دولار لدعم مبادرات حماية الأطفال في غزة. وسوف يقدّم هذا المشروع دعمًا نفسيًا واجتماعيًا منتظمًا وغير منتظم للأطفال المتضررين بشدة، مع التركيز على معالجة التسرّب من المدارس وعمالة الأطفال. ومن المتوقّع أن يعود هذا المشروع، الذي ستنفذه مؤسسة أرض الإنسان وأربعة من شركائها، بالفائدة على 5,040 طفلًا (2,670 فتًى و2,370 فتاة) من خلال الأنشطة التي يطلِقها في محافظات قطاع غزة الخمس خلال العام 2019.

كما سيلبّي هذا المشروع احتياجات الأطفال الذين أُصيبوا بجروح خلال مظاهرات "مسيرة العودة الكبرى"، والأطفال المتسربين من مدارسهم والأطفال العاملين، وغيرهم. وسوف ينجز المشروع ذلك من خلال تعزيز قدرة الأطفال على الوصول إلى أشكال الإستجابة المتكاملة وذات الجودة لحماية الأطفال في حالات الطوارئ في الوقت المناسب، بما تشمله من إدارة الحالات والدعم النفسي والإجتماعي، مع التركيز على الأطفال والأُسر التي يعتريها الضعف.

طلاب عاملون ومتسربون يحضرون حصة في مادة الرياضيات في مركز تابع لمؤسسة أرض الإنسان لحماية الأطفال  © - تصوير مؤسسة أرض الإنسان

التدخلات التي تنفذها مؤسسة أرض الإنسان في مجال حماية الأطفال في غزة

لا تزال مؤسسة أرض الإنسان تقدّم خدمات متكاملة في مجال حماية الأطفال للأطفال العاملين وأُسرهم في محافظة شمال غزة منذ العام 2011. وتهدف هذه التدخلات إلى حماية الأطفال من الإستغلال الإقتصادي والأعمال الخطرة. وتقدّم المؤسسة خدماتها لما مجموعه 3,066 طفلًا، بمن فيهم 1,206 أطفال عاملين، حتى هذا اليوم.

ويستفيد نحو 150 طفلًا في كل شهر من خدمات حماية الأطفال المتكاملة في مجال الدعم النفسي والإجتماعي المنتظم وغير المنتظم، وجلسات الإرشاد الفردية والجماعية، والحصص الدراسية التعويضية والوجبات الغذائية المتوازنة. ويعزّز مركز حماية الأطفال بيئة يعمّها الأمان ويستطيع الأطفال فيها الحصول على التعليم النظامي وغير النظامي، بما يشمل خدمات التعليم في مختبر التصنيع.[4] وقد سجّلت مؤسسة أرض الإنسان النجاح، في سياق التدخلات التي تنفذها، في إعادة دمج 954 طفلًا في المدارس ومراكز التدريب المهني التي تقدّم التدريب في مختلف المهن، بما فيها الخياطة والتطريز، وتصفيف الشعر، وأعمال الحدادة، والسباكة، والتمديدات الكهربائية، والنجارة وتصليح السيارات.

ومن بين التحديات التي تواجه مؤسسة أرض الإنسان، في هذه الآونة، افتقار مراكز التدريب المهني التابعة لوزارة التنمية الإجتماعية إلى القدرات التي تيسّر لها استيعاب جميع المستفيدين المحتمَلين الذين تحيلهم المؤسسة وشركاؤها إليها لغايات إدماجهم فيها.

"أريدٌ أن أكون طفلًا طبيعيًا"

عبد الله ينجز واجباته البيتية في مركز الحماية التابع لمؤسسة أرض الإنسان  © - تصوير مؤسسة أرض الإنسانعبد الله فتًى يبلغ من العمر 13 عامًا من غزة، وهو يعيش مع والديه، وإخوانه الخمسة وأخواته الثلاث. ووالدة عبد الله  ربّة منزل ووالده مزارع يزرع الخضروات التي تدرّ عليه دخلًا منخفضًا في المواسم.

وقد اضطُّر عبد الله، وهو الأكبر سنًا بين إخوته، إلى الإنخراط في عمل بدوام جزئي لكي يساعد في إعالة أسرته عندما كان في الحادية عشرة من عمره. وتراجع دوامه في المدرسة وتسرّب منها عندما بلغ الثانية عشرة من عمره. ويكسب عبد الله مبلغًا يتراوح من 15 إلى 20 شيكلًا (4-6 دولارات) في الأسبوع لقاء جمع الحصى والنفايات الصلبة وبيعها.

"ما زلتُ طفلًا، ولكنني أشعر أنني رجل طاعن في السن. وما عاد جسمي يتحمّل مشاقّ العمل طيلة اليوم. كان أكثر ما يضايقني أولئك الناس الذين يحدّقون بي على الدوام وتعليقاتهم الجارحة. وكانوا يدعونني متسوّلًا بسبب ملابسي المتّسخة."

وفي سياق برنامج الوصول الذي ترعاه مؤسسة أرض الإنسان، جرت زيارة عبد الله في بيته وتشجيعه على المشاركة في مختلف أنشطة حماية الأطفال في مركز المؤسسة. وفي هذا المركز، حضر عبد الله الحصص التعويضية وشارك في الجلسات الإرشادية مع اختصاصيّ نفسي، وحصل على طائفة من الخدمات الأخرى. ونتيجةً لذلك، صار عبد الله يقلّص ساعات عمله، في الوقت الذي تلقّت فيه والدته الدعم من خلال الجلسات المخصصة للوالدين.

"زار العاملون الإجتماعيون أمي وتحدثوا إليها. فقد كانت هي أيضًا في حاجة إلى أن تعرف كيف تعني بإخوتي وبي على نحو أفضل. وبدأت أحب المركز شيئًا فشيئًا. وزار الموظفون مدرستي وتحدثوا إلى المرشد التربوي، الذي ساند إعادة اندماجي في المدرسة. وقد توقفت عن العمل، وما عدت أغيبُ عن الدوام."

"لقد تحسّن أدائي في المدرسة، وغدوتُ أرتدي ملابس لائقة وأتعامل من الناس بطريقة ألطف. وعدتُ الآن طالبًا في الصف السابع. وأشعر أني نجوت من كابوس. كل ما أردتُه كان ترك العمل والعودة إلى المدرسة. أريد أن أتلقّى تعليمي وأن يكون لي مستقبل. لا أريدُ أن أسمع كلمة فاشل أو متسول مرة أخرى. أريد أن أكون طفلًا طبيعيًا."

وبعد إعادة دمج عبد الله في الصف السابع، تابع موظفو مؤسسة أرض الإنسان حالته من خلال الزيارات الأسبوعية التي أجرتها إلى أسرته ومدرسته. ويواصل عبد الله الاستفادة من مركز المؤسسة، حيث يحضر إليه كل يوم.

مجموعة من الأطفال المستفيدين من أنشطة الدعم النفسي والإجتماعي غير المنتظم في مركز حماية الأطفال التابعة لمؤسسة أرض الإنسان © - تصوير مؤسسة أرض الإنسان


[1] World Bank, Economic Monitoring Report to the Ad Hoc Liaison Committee, 30 April 2019, para. 4.

[2] يُعرف الأشخاص الفقراء بأنهم أولئك الذين يعيشون على ما يقلّ عن 4.6 دولار في اليوم، بما يشمل المساعدات والتحويلات الإجتماعية، التي تشكّل الحد الأدنى للوفاء باحتياجات الأسرة الأساسية (المأوى، والملبس والغذاء)، إلى جانب الرعاية الصحية والتعليم والمواصلات الأساسية، وفقًا للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني.

[3] بناءً على مجموعة البيانات التي جمعتها مؤسسة أرض الإنسان عن 1,206 أطفال.

[4] في محافظة شمال غزة، أنشأت مؤسسة الأرض الإنسان أول مختبر إنساني للتصنيع (فاب لاب) في قطاع غزة. ويسعى هذا المختبر إلى تعزيز المهارات المهنية والتعليمية لدى الأطفال والشباب الذي تنتابهم حالة الضعف.

النسخة الملزمة للتقرير هي النسخة الإنجليزية