نشرت بتاريخ 14 مايو 2019
 كجزء من  

عمليات الهدم، بما فيها الهدم الذاتي، تسجّل أرقامًا قياسية، في القدس الشرقية خلال شهر نيسان/أبريل 2019

عدد الأشخاص الذين هُجَّروا حتى هذه اللحظة من العام 2019 يفوق عددهم خلال العام 2018 بأكمله

كما هو الحال في المنطقة (ج) من الضفة الغربية، يجعل نظام التخطيط التقييدي الذي تنفّذه إسرائيل في القدس الشرقية حصول الفلسطينيين على رخص البناء أمرًا من ضرب المستحيل، مما يتسبّب في عرقلة تطوير السكن اللائق والبنية التحتية وسُبل العيش. فلا تزيد المساحة المخصّصة لتشييد المباني الفلسطينية في القدس الشرقية عن 13 بالمائة، وجانب كبير من هذه المساحة مأهول أصلًا بالمباني، بينما تُخصص مساحة تبلغ 35 بالمائة منها للمستوطنات الإسرائيلية، التي تنتفي عنها الصفة القانونية بموجب القانون الدولي.

ويواجه الفلسطينيون الذين يشيّدون منازلهم دون الحصول على الرخص المطلوبة خطر هدمها، إلى جانب عقوبات أخرى، بما فيها الغرامات الباهظة، التي لا يعفي تسديدها صاحب المنزل من الشرط الذي يقضي عليه الحصول على رخصة بناء. ويفتقر ما لا يقلّ عن ثلث المنازل الفلسطينية في القدس الشرقية إلى رخص البناء التي تصدرها السلطات الإسرائيلية، مما يعرض أكثر من 100,000 من ساكنيها لخطر التهجير المحتمَل.

وتشكّل عمليات الهدم والإخلاء القسري ونظام التخطيط التمييزي والتقييدي مَحاور من بيئة قسرية تفرزها طائفة من الممارسات والسياسات الإسرائيلية التي تضغط على العديد من الفلسطينيين في مختلف أنحاء الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، وتدفعهم إلى الرحيل عن مناطق بعينها وتولّد خطر الترحيل القسري.

وقد شهد معدل عمليات الهدم زيادةً على مدى الأعوام القليلة الماضية. فمنذ أن باشر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية توثيق عمليات الهدم بصورة منهجية، كانت ستة مبانٍ تهدم في المتوسط في الشهر الواحد حتى العام 2015. وقد طرأت زيادة هائلة على معدل عمليات الهدم خلال العام 2016، حيث سُجِّل أعلى معدل سنوي لهذه العمليات حتى الآن، بمتوسط بلغ 14 مبنًى على أساس شهري بين العام 2016 وشهر آذار/مارس 2019. وفي شهر نيسان/أبريل 2019، هدم 63 منزلًا ومبانٍ أخرى، وهو أعلى عدد من عمليات الهدم التي تُسجَّل في شهر واحد على الإطلاق. ونتيجةً للزيادة التي شهدتها عمليات الهدم، فقد فاق عدد الأشخاص الذين هُجِّروا في القدس الشرقية خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام 2019 عدد المهجَّرين في العام 2018 برمته (193 مقابل 178).

هدم المباني في القدس الشرقية

وتشمل إحصائيات شهر نيسان/أبريل 2019 ما مجموعه 15 عملية هدم ذاتي، حيث اضطُّر أصحاب المباني إلى هدمها بأيديهم لتفادي الغرامات الباهظة، وذلك عقب إصدار السلطات الإسرائيلية أوامر الهدم بشأنها. ومنذ مطلع العام 2019، هُدم ثلث المباني المستهدفة (36 من أصل 111) على يد أصحابها. وهُدم ما مجموعه 260 مبنًى على يد مُلّاكها في القدس الشرقية منذ شهر كانون الثاني/يناير 2009، وكان نصف هذه المباني منازل سكنية. وبينما يتفاوت عدد عمليات الهدم الذاتي من عام إلى آخر، فقد ارتفع المتوسط الشهري الذي شهده العام 2019 إلى تسعة عمليات هدم في الشهر مقابل المتوسط الذي كان يبلغ ثلاث عمليات شهريًا على مدى الأعوام الثلاثة المنصرمة (أنظر الرسم البياني 1).

أسباب الهدم الذاتي

تُعزى ظاهرة هدم المنازل على يد أصحابها في القدس الشرقية إلى عوامل عدّة، منها الرغبة في تفادي دفع غرامات إضافية [1] والرسوم القانونية في الوقت الذي تكاد تنعدم فيه الإمكانيات المتاحة لترخيص المبنى بأثر رجعي، إلى جانب المحاولات التي ترمي إلى تجنّب التكاليف المرتفعة المرتبطة بالطلبات المقدّمة للحصول على رخص البناء ورسوم التخطيط، ولا سيما بالنظر إلى تدنّي حظوظ النجاح التي تحالف هذه الطلبات.

عملية هدم في منطقة وادي ياصول بحي سلوان، 30 نيسان/أبريل 2019 © - تصوير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية

ومن جملة العوامل الأخرى تجنّب السجن بسبب التخلف عن دفع الغرامات البلدية أو احتقار أمر صادر عن المحكمة، والصعوبات التي تواكب الإعتراضات على إفراز الأراضي، بالنظر إلى ارتفاع عدد ورثة قطعة أرض بعينها، وتفادي الصدمة الناجمة عن هدم المنزل قسرًا وإلحاق الأضرار بالمقتنيات الشخصية وقطع الأثاث فيه.

كما يرى المحامون أن الزيادة التي طرأت مؤخرًا على عمليات الهدم بصفة عامة، وعمليات الهدم الذاتي على وجه الخصوص، ترتبط بالتعديلات التي أُدخلت على قانون التخطيط والبناء لسنة 1965، والتي أقرّها الكنيست الإسرائيلي في يوم 25 تشرين الأول/أكتوبر 2017، والمخاوف التي تعتري الفلسطينيين حيال دفع غرامات باهظة والتعرض للاعتقال.[2] ومن المتوقَّع أن تتزايد عمليات الهدم بالنظر إلى أن نطاق القانون المعدّل يمتد ليشمل المباني السكنية القديمة التي لا تزال الإجراءات القضائية جاريةً بشأنها منذ شهر تشرين الأول/أكتوبر 2019.

دراسة حالة حول قرية حزما: "لا يزال وضعي يزداد سوءًا"

عقب احتلال الضفة الغربية في العام 1967، وسّعت إسرائيل الحدود البلدية للقدس من جانب واحد، ثم ضمّت هذه المنطقة التي جرى ترسيمها في حينه إلى إقليمها، على نحو يخالف القانون الدولي. وفي مطلع حقبة التسعينات من القرن الماضي، عزلت إسرائيل القدس الشرقية عن بقية أنحاء الضفة الغربية، من خلال الاشتراط على حمَلة هوية الضفة الغربية الحصول على تصاريح الوصول التي تصدرها السلطات الإسرائيلية للدخول إلى المدينة.

"اسمي خيري إبراهيم علي عسكر، وأنا من قرية حزما. وُلدت في العام 1942. وحصلت أسرتنا على هويات الضفة الغربية من السلطات الإسرائيلية في العام 1967. وفي العام 1975، اشتريتُ أرضًا مساحتها 2.6 دونم في حزما من أقاربنا، في منطقة لم يكن فيها أي منزل تقريبًا. وبالقرب من هذه الأرض، كان أخي إبراهيم يملك أرضًا مساحتها 1.2 دونم، وكان ينوي تشييد منزل عليها.

خيري إبراهيم علي عسكر أمام مبنى كان يهدمه بنفسه، قرية حزما © - تصوير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية

"وبعد ذلك بعام، حصل كِلانا على رخصتيْ بناء لتشييد منزلين من الحاكم العسكري الإسرائيلي في رام الله. وشيّد أخي منزله في العام 1976 وأنا شيدتُ منزلي في العام 1977. وفي يوم 5 تشرين الثاني/نوفمبر 1977، سلّمنا موظفون من بلدية القدس أوامر هدم، تنص على أن أرضينا تقعان في منطقة ضمن دائرة نفوذ بلدية القدس وأنها هي المسؤولة عن إصدار رخص البناء. ودفعتُ ما يعادل 17,000 دينارًا أردنيًا ودفع أخي غرامة بلغت 25,000 دينارًا. وبعد ذلك مباشرة، أرسل الحاكم العسكري الإسرائيلي خطابًا إلينا، يبلغنا فيه بأن رخصتيْ البناء اللتين صدرتا عنه كانتا باطلتين لأن الأرض تقع ضمن حدود بلدية القدس التي حددتها إسرائيل.

"وفي العام 1982، بنيتُ ثلاث حظائر للمواشي على أرضي مكان مزرعة دواجن. وكان لدينا 2,000 دجاجة و50 خروفًا. وباتت هذه الحظائر مصدر الدخل الرئيسي لأسرتي. واضطُّررتُ إلى هدم اثنتين منها بنفسي في يوم 30 آذار/مارس 2019، من بينها الحظيرة التي كنت أستخدمها لإيواء 40 خروفًا، والتي كانت أسرتي قد باعتها قبل ذلك بأربعة أشهر تحسّبًا لعملية الهدم. وحوّلنا الحظيرة الثالثة إلى منزل ليسكن فيه ابني الذي تزوج في العام 1994. وهذا هو المنزل الذي أُجبر ابني على هدمه بيده في يوم 5 نيسان/أبريل 2019، بعد 25 عامًا، مما أدى إلى تهجير أسرته التي تضم ثمانية أفراد، بمن فيهم خمسة أطفال.

"وفي العام 1982، استُهل العمل في بناء مستوطنة بسغات زئيف، التي يقع جزء منها على الأراضي التي تعود ملكيتها لسكان قرية حزما وتضم أكثر من 100 دونم تملكها عائلة عسكر.

وفي أواخر العقد التاسع من القرن الماضي، شيدت أختي منزلًا صغيرًا بالقرب منا، وقد هدمته السلطات الإسرائيلية في العام 1993 أو 1994، مما أدى إلى تهجير أسرتها التي تضم سبعة أفراد، بمن فيهم ثلاثة أطفال. كما جرى اقتلاع نحو 200 شجرة زيتون وكرمة وتين بحجة أن الأرض كانت مصادرة. وفي مطلع حقبة التسعينات من القرن الماضي كذلك، كانت ثلاث أُسر أخرى من عائلتنا الممتدة تملك نحو 1,000 شجرة تين. وخلال هذه الفترة، أعدت السلطات الإسرائيلية مخططًا هيكليًا للمنطقة التي يقع فيها منزلنا من أجل توسيع مستوطنة بسغات زئيف. وقد أعطونا رخص بناء لمنزلينا، ولكن عندما طلبنا رخصًا لبناء طابق إضافي رفضوا ذلك، بحجة أننا نحمل هويات الضفة الغربية.

"وفي شهر حزيران/يونيو 1996، حصلنا على هويات مقدسية. وفي العام 1997، تمكنتُ وأخي من بناء طابق ثانٍ على كل من منزلينا. وقد غدونا، في هذه الأيام، نؤلف عائلة من 10 أُسر تضم 61 شخصًا، من بينهم 29 طفلًا، حيث نسكن في هذين المنزلين في ظروف يشوبها الاكتظاظ الشديد. وعلى الرغم من أننا نحمل الهويات المقدسية، فقد رفعت سلطة الأراضي الإسرائيلية دعوى قضائية تدّعي فيها أن مساحة تبلغ 1.6 دونم من أرضي كانت قد صودرت بموجب قانون أملاك الغائبين في شهر آذار/مارس 1980 وتطالب بهدم المباني المقامة عليها. وعقب معركة قانونية طويلة الأمد، خسرنا هذه الدعوى أمام المحكمة العليا في العام 2017.

منزل الأسرة في العام 1982

"وقبل ذلك، في العام 2014، تلقّى أخي أمرًا بالهدم من البلدية، وهَدم مبنى كان يستخدمه كمرآب ومخزن بنفسه. وفي مطلع هذا العام، استلمنا أمرًا بالهدم والإخلاء من سلطة الأراضي الإسرائيلية. وأجَّل محامينا الموعد النهائي المقرر حتى منتصف شهر نيسان/أبريل، شريطة إيداع مبلغ قدره 35,000 شيكل في حسابنا البنكي، بحيث يجري تجميده إلى أن ننفّذ أمر الهدم. وأما البديل فكان يتمثل في دفع غرامة تصل قيمتها إلى 250,000 شيكل، بما فيها المصاريف التي تستتبعها تكلفة الهدم. وفي شهر آذار/مارس 2019، احتجزتني الشرطة الإسرائيلية التي طالبتنا بتنفيذ الهدم أو مواجهة العواقب. وفي يوميْ 30 آذار/مارس و5 نيسان/أبريل، هدمنا حظائر المواشي والمنزل بأيدينا. وباتت هذه المنطقة مخصصة لبناء 254 وحدة سكنية لتوسيع مستوطنة بسغات زئيف.[3]

"لمدة 42 عامًا، من العام 1977 حتى ويومنا هذا، بقي ملفي مفتوحًا أمام مختلف السلطات الإسرائيلية: بلدية القدس، وحارس أملاك الغائبين، ووزارة الداخلية وسلطة الأراضي الإسرائيلية. أبلُغ الآن السابعة والسبعين من عمري، ولا أزال أعاني من تداعيات هذه السياسات. وما يزال وضعي يزداد سوءًا."


[1] على خلاف المنطقة (ج)، يُعَدّ البناء دون الحصول على رخصة في القدس الشرقية عملًا جنائيًا يُفضي إلى فرض غرامات على أعمال البناء التي تخالف القانون. وتُدفع هذه الغرامات، في العادة، على أقساط شهرية قد يستمر تسديدها حتى بعد هدم المنزل نفسه. وإضافة إلى ذلك، عادةً ما تتضمن القرارات القضائية بشأن أوامر الهدم القضائية أحكامًا تنص على أن مالك المنزل إن لم ينفذ الهدم بحلول تاريخ محدد، فتتولى السلطات تنفيذ الهدم وتزيد قيمة الغرامة المفروضة.

[2] يسري هذا القانون على كِلا إسرائيل والقدس الشرقية بحكم ضمّ الشطر الشرقي من مدينة القدس إلى إقليم القوة القائمة بالإحتلال في العام 1967.

[3] إفادة خيري عسكر، قرية حزما، 9 نيسان/أبريل 2019.

النسخة الملزمة للتقرير هي النسخة الإنجليزية