نشرت بتاريخ 13 فبراير 2019
 كجزء من  

إسرائيل توسّع حدود منطقة الصيد إلى 12 ميلًا بحريًا وسط تزايد الشواغل المتعلقة بالحماية

في تطور إيجابي، وسّعت إسرائيل جزئيًا حدود منطقة الصيد إلى 12 ميلًا بحريًا في المنطقة الوسطى قبالة ساحل غزة بدءًا من يوم 2 كانون الثاني/يناير 2019، وذلك للمرة الأولى منذ العام 2000. ومع ذلك، فلا تزال إسرائيل تقيّد الوصول إلى المناطق الشمالية والجنوبية في حدود ستة أميال بحرية، بحجة المخاوف الأمنية، وهي مساحة أقل بكثير من المساحة البالغة 20 ميلًا بحريًا والتي جرى الإتفاق عليها بموجب إتفاقيات أوسلو.[1] وإضافة إلى القيود المفروضة على الوصول، فلا تزال الحماية تشكّل مصدر قلق كبير لدى الصيادين الفلسطينيين، حيث طرأ ارتفاع ملموس على عدد الإصابات التي وقعت بين صفوفهم وعلى حوادث إطلاق النار التي استهدفتهم خلال العام 2018.[2]

مناطق الصيد المسموح بها: 2019

مناطق الصيد المسموح بها: 2019

ويُعَدّ السمك مصدرًا رئيسيًا من مصادر البروتين والمغذّيات الدقيقة والأحماض الدهنية الأساسية. كما يُعد توفُّر هذا المصدر بانتظام وبأسعار السوق الميسورة أساسيًا لتأمين التنوع الغذائي في وجبات الطعام التي يتناولها أبناء قطاع غزة. وهناك علاقة مباشرة بين المسافة من الساحل وكميات صيد السمك وقيمتها، فكلما كانت مسافة الإبحار التي يستطيع الصيادون بلوغها في عرض البحر أكبر، إزداد عمق المياه وارتفعت قيمة الأسماك التي يصطادونها. ففي المنطقة التي تتراوح مساحتها من ثمانية أميال إلى 12 ميلًا بحريًا، حيث يمكن أن ينخفض قاع البحر حتى 100 متر، توجد وفرة أعلى في كميات الأسماك التي تعيش في قاع البحر وكميات أكبر من أسماك السردين ذات المردود الربحي الأعلى. وعلى مسافة تصل إلى 12 ميلًا بحريًا وما وراءها، يكون قاع البحر رمليًا ويزداد العمق بصورة تدريجية حتى 700 متر تقريبًا، حيث يتوفر الموئل مناسب أكثر من غيره لصيد مجموعة متنوعة من الأسماك ذات القيمة والجودة الأعلى، مثل سمك التونا والإسقمري.[3]

نوع الأسماك المصيدة حسب عمق مياه البحر والمسافة من الساحل

Infographic: Type of fish catch by sea depth and distance from the coast

وفي الفترة الواقعة بين إبرام إتفاقية أوسلو في العام 1992 حتى العام 2000، كانت حدود منطقة الصيد لا تتعدى 12 ميلًا بحريًا. وكانت مساحة الصيد تتفاوت منذ تلك الفترة من حدّ أعلى قدره تسعة أميال بحرية إلى حد أدنى لا يتجاوز ثلاثة أميال بحرية، ولم يُسمح بمزاولة صيد الأسماك على الإطلاق خلال حالات تصعيد الأعمال القتالية. وعقب وقف إطلاق النار في شهر آب/أغسطس 2014، ثبَّتت إسرائيل حدود منطقة الصيد عند ستة أميال بحرية، مع أنها كانت توسّعها إلى تسعة أميال بحرية على امتداد الساحل الجنوبي (بين دير البلح ورفح) مرتين في العام خلال موسم صيد سمك السردين، وذلك من نيسان/أبريل حتى حزيران/يونيو ومن أيلول/سبتمبر حتى تشرين الثاني/نوفمبر.[4] وقد أدّى توسيع حدود منطقة الصيد على أساس موسمي إلى زيادة كميات الصيد الإجمالية بصورة ملموسة، حيث سجّلت أعلى مستويات تصل إليها منذ العام 1999. ومع ذلك، فما تزال هذه الكميات محصورة بصورة رئيسية في سمك السردين ذي القيمة المتدنية.

وقد تسبّبت هذه القيود المفروضة على الوصول، والتي تقترن مع عوامل أخرى، بما فيها القيود التي تفرضها إسرائيل على الواردات والصادرات وعدم انتظام إمدادات الكهرباء، في تقويض تنمية قطاع صيد الأسماك في غزة. وقد ألحق هذا الوضع الضرر بدخل الصيادين وسُبل عيشهم، مما أدى إلى تقليص الكميات المعروضة من الأسماك المتاحة للإستهلاك المحلي إلى حد كبير.[5] وفي هذه الآونة، لا يُعَد سوى 2,000 من أصل 3,617 صياد مسجَّل لدى وزارة الزراعة في غزة ’مزاولًا لمهنته على أساس منتظم‘.[6] ويسود الأمل بأن يتحقق تحسُّن ملموس في تنوّع كميات الأسماك المصيدة ومردودها الربحي، مما يسهم في إعادة إحياء قطاع صناعة صيد الأسماك باعتباره مصدرًا مستدامًا من مصادر الدخل، على أن يدوم توسيع منطقة الصيد الذي جرى مؤخرًا وعلى أن تحترمه القوات البحرية الإسرائيلية. وعلى الرغم من الحجم المحدود لقطاع صيد الأسماك، وبالنظر إلى البطالة التي بلغت مستويات مرتفعة للغاية (54,9 بالمائة خلال الربع الثالث من العام 2018) وانعدام الأمن الغذائي (الذي وصلت نسبته إلى 68 بالمائة خلال العام 2018) في قطاع غزة، فقد تحدث إعادة إحياء هذا القطاع أثرًا مهمًا.

إرتفاع عدد الإصابات بين صفوف الفلسطينية وحالات إحتجازهم وسط إستمرار الشواغل المتعلقة بالحماية

لقد جرى توسيع حدود منطقة صيد الأسماك مؤخرًا وسط استمرار الشواغل المتعلقة بالحماية. وتتعلق هذه الشواغل بالممارسات التي توظفها قوات البحرية الإسرائيلية، والبحرية المصرية بدرجة أقل، في فرض حدود مناطق الصيد من خلال إطلاق الذخيرة الحية باتجاه قوارب الصيد، والتي تؤدي إلى وقوع ضحايا بين صفوف الصيادين وإلحاق الأضرار بقواربهم، وإجبارهم على القفز إلى مياه البحر والسباحة باتجاه الزوارق الإسرائيلية، حيث يجري إحتجازهم، ومصادرة قواربهم والمعدات التي يستخدمونها في الصيد.

وقد قتلت القوات البحرية الإسرائيلية صياديْن فلسطينييْن خلال العامين 2017 و2018. كما قُتِل صيادان فلسطينيان آخران على يد القوات البحرية المصرية خلال العام 2018. وشهد عدد المصابين من الصيادين الفلسطينيين زيادة بلغت نسبتها 43 بالمائة، حيث ارتفع من 14 إلى 20 صيادًا، خلال العامين نفسيهما.[7] وطرأت زيادة على عدد حوادث إطلاق النار بما نسبته 41 بالمائة، من 231 إلى 325 حادثة، كما إرتفع عدد الصيادين الذين تعرّضوا للإحتجاز إلى 141 بالمائة، من 39 إلى 94 حالة، خلال الفترة نفسها. ووفقًا للشهادات التي أدلى بها الصيادون، يقع العديد من هذه الحوادث ضمن حدود منطقة الصيد التي تسمح السلطات الإسرائيلية بها، ودون سابق إنذار، مما يُثني هؤلاء الصيادين عن استغلال منطقة الصيد المسموح بها إستغلالًا كاملًا.

وفي العام 2018، صادرت القوات البحرية الإسرائيلية 23 قارب صيد، وهو ما يمثل زيادة بلغت 77 بالمائة عن عدد ما صادرته خلال العام 2017 (13 قارب صيد). وعقب تدخّل مختلف منظمات حقوق الإنسان، أفرجت السلطات الإسرائيلية، في يوم 29 تشرين الثاني/نوفمبر 2018، عن 25 قارب صيد، بما فيها بعض القوارب التي صودرت في أعوام سابقة. ومع ذلك، فقد تعرّض عدد ليس بالقليل من القوارب والمعدات لأضرار فادحة، كما أُفرِج عن بعضها دون محركاتها.

دعم قطاع صيد الأسماك

تقدّم منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة، في هذه الآونة، الدعم لقطاع صيد الأسماك من خلال إقامة مزرعة لتربية الأسماك في أقفاص بحرية قبالة ساحل غزة، وبقدرة إنتاجية تبلغ 150 طن من السمك في السنة. كما تقدّم المنظمة ما يلزم من التدريب والمهارات لكي تتمكّن المؤسسات الأعضاء في قطاع صيد الأسماك من إدارة هذا المشروع باعتباره مشروع أعمال إجتماعي. ويهدف المشروع إلى توفير مصادر دخل إضافية لقطاع صيد الأسماك في غزة وتحسين وفرة الأسماك المتنوعة وذات الجودة العالية لأغراض الإستهلاك المحلي. ومن المتوقع أن يُدِرّ هذا المشروع الإيرادات في غضون عامين من إنشائه، مما يعود بالمنفعة على 2,000 صياد من قطاع غزة.

إستمرار مظاهرات ’ مسيرة العودة الكبرى‘ التي تنظَّم إحتجاجًا على الحصار البحري

مظاهرة نظّمها فلسطينيون على الشاطئ قرب السياج إحتجاجًا على الحصار البحري، أيلول/سبتمبر 2018 © - تصوير أشرف عمرة

أستُؤنفت المظاهرات التي تنظَّم في عرض البحر في سياق ’مسيرة العودة الكبرى‘، والتي يتلخص هدفها الصريح في كسر الحصار البحري الذي تفرضه إسرائيل، في يوم 28 كانون الثاني/يناير 2019. وقد عُلِّقت هذه المظاهرات لمدة قاربت أربعة أسابيع بسبب الأحوال الجوية والتحديات التي تحول دون الوصول إلى المنطقة التي تنظَّم فيها. وكانت المظاهرات المذكورة تنظم في أيام الإثنين من كل أسبوع على مقربة من بيت لاهيا، وبمحاذاة الحدود الإسرائيلية، وكانت تشمل إطلاق قوافل السفن باتجاه حدود مناطق الصيد.

وأُطلِقت قافلة السفن الأولى، التي أشار إليها منظِّمو المظاهرات باسم "قافلة الحرية"، في يوم 29 آذار/مارس 2018. ووفقًا لمنظمي المظاهرات، فقد إنطلقت القافلتان الأوليتان، اللتان حملتا على متنهما مرضى وطلبة، إلى تركيا. وقد إعترضت القوات البحرية الإسرائيلية جميع قوافل السفن[8] وأعادتها من حيث أتت.

وواجهت القوات الإسرائيلية هذه المظاهرات (بما فيها قوافل السفن) بإطلاق قنابل الغاز المسيل للدموع، والأعيرة المعدنية المغلفة بالمطاط، مما أدى إلى مقتل ثلاثة فلسطينيين وإصابة 959 آخرين بجروح، بمن فيهم 241 طفلًا، وذلك بين يومي 29 آذار/مارس 2018 و31 كانون الثاني/يناير 2019.

أُطلِقت النار على محمد، البالغ من العمر 19 عامًا، داخل حدود منطقة الصيد التي تسمح بها إسرائيل

صيد الأسماك هو العمل الذي امتهنه فلاح أبو ريالة على مدى الأعوام العشرين الماضية. وقد ورَّث فلاح، شأنه شأن الكثير من الصيادين الآخرين، مهنته لأكبر أبنائه محمد، الذي يبلغ 19 عامًا من عمره، حيث باتا يعملان معًا على قارب لإعالة أسرتهما التي تضم 11 فردًا.

وفي يوم 15 كانون الأول/ديسمبر 2018، كان محمد يصطاد الأسماك مع إبن عمه، عندما سمعا صوت إطلاق نار، وإكتشفا أن البحرية الإسرائيلية كانت تستهدفهما. وقال محمد: 

"في ذلك اليوم، كنّا نبحر على مسافة 9 أميال بحرية في منطقة وادي غزة، ضمن حدود منطقة الصيد التي تسمح بها إسرائيل، مثلما فعلنا طيلة الأسبوع السابق، عندما شرعت البحرية الإسرائيلية فجأةً بإطلاق النار باتجاهنا! وعدنا أدراجنا، ولكنهم واصلوا ملاحقتنا. وبينما استمروا في إطلاق النار، طلبوا إلينا أن نوقف القارب. وكنا ضمن مسافة تبلغ ميلين بحريين من الساحل عندما توقّف القارب بعدما أطلقوا النار على المحرك. وفي تلك اللحظة، كنا قد أُصِبنا كِلينا."

وأصيبَ محمد برصاصة في رجله، بينما أصيبَ ابن عمه بعيار معدني مغلف بالمطاط. واحتجزت البحرية الإسرائيلية الصيادين المصابين معًا، وصادرت قاربهما، ونقلتهما إلى مستشفى إسرائيلي. وفي اليوم التالي، نُقِلا إلى مستشفى الشفاء في غزة عبر معبر إيرز، مع تقرير طبي صادر عن المستشفى الإسرائيلي، حيث ينصح فيه بعدم إزالة شظايا الرصاصة على الفور من رِجل محمد من أجل تفادي تعرضها لضرر فادح.

وكانت هناك تسع شظايا في رجل محمد، ولم يكن قادرًا على المشي لمدة شهر، ناهيك عن الذهاب إلى الصيد.

وقال فلاح: "إبني مصاب ولا يستطيع أن يغادر المنزل، وأنا الآن عاطل عن العمل بعدما صودر قاربي."

وكانت أسرة فلاح تعتاش من الدخل الذي تدرّه أنشطتها في صيد الأسماك، إلى جانب المساعدات الغذائية التي كانت تتلقاها من وكالة الأونروا باعتبار أفرادها من اللاجئين الفلسطينيين المسجّلين. وعقب هذه الحادثة، بات فلاح يرزح تحت وطأة الديون التي يعجز عن سدادها، بينما يواصل إنتظار الإفراج عن قاربه.

وقال محمد: "أتمنى لو أنه جرى تعويضنا عن القارب أو أن نستعيد قاربنا. لقد كان هذا القارب المصدر الوحيد الذي يؤمنّ سبل عيش أُسرِنا، بمن فيها أسرة عمي وأبنائه وجدّي، حيث باتوا كلهم عاطلين عن العمل الآن."


[1] بموجب إتفاقية أوسلو الموقعة في العام 1995 بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، وافقت إسرائيل على توسيع نطاق أنشطة الصيد إلى 20 ميلًا بحريًا، الملحق الأول. ومع ذلك، كانت المساحة البالغة 12 ميلًا بحريًا هي أقصى مساحة سمحت إسرائيل لصيادي غزة بالوصول إليها بحجة المخاوف الأمنية. وفي العام 2002، وفي سياق إلتزامات برتيني، أعلنت إسرائيل عن توسيع منطقة الصيد إلى 12 ميلًا بحريًا، غير أن ذلك لم يجد طريقه إلى التنفيذ.

[2] قاعدة بيانات حماية المدنيين، مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية.

[3] FAO, Overview of the Gaza Strip’s Fisheries Sector, February 2012.

[4] وفقًا لدائرة مصائد الأسماك، شرعت إسرائيل في إصدار الإعلانات الرسمية التي تسمح فيها بتوسيع منطقة الصيد على أساس موسمي في العام 2016. ولكن توسيع هذه المنطقة على هذا الأساس كان قد سُمح به بصورة فعلية منذ العام 2014.

[5] كما يلحق الضرر بقطاع صيد الأسماك بسبب القيود المفروضة على استيراد المواد الضرورية لإصلاح القوارب وشبكات الصيد، حيث تصنَّف على أنها ’أصناف مزدوجة الإستخدام‘، بمعنى أنها مواد قد تنطوي على استخدام عسكري أيضًا. وهذا يمثل عقبة رئيسية أمام تحقيق الجدوى الإقتصادية من هذا القطاع. ومما له أهميته في هذا المقام أيضًا إمدادات الكهرباء المحدودة وغير المنتظمة، والتي لا يُستغنى عنها في تحلية المياه وإنتاج الثلج والتبريد الضروري لحفظ الأسماك.

[6] الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، 2017.

[7] قدّم مركز الميزان لحقوق الإنسان هذه الأرقام.

[8] وقد صودرت السفن التي شاركت في القافلتين اللتين إنطلقتا في يوم 29 نيسان/أبريل و10 تموز/يوليو 2018، وأعتُقل من كان على متنها. وقد أُطلق سراح معظمهم عبر معبر إيرز.

النسخة الملزمة للتقرير هي النسخة الإنجليزية