نشرت بتاريخ 11 سبتمبر 2017
 كجزء من  

أزمة الطاقة تلقي بظلالها على المزارعين الفلسطينيين في غزة

نحو 38% من المحاصيل المزروعة معرضة للهلاك التام

تواصلت أزمة انقطاع الكهرباء الحادة في قطاع غزة خلال شهر آب/أغسطس، حيث تراوحت فترات انقطاع التيار الكهربائي من 18 إلى 20 ساعة في اليوم الواحد. وقد أفرز هذا الأمر آثارًا وخيمة على توفر الخدمات الأساسية وتسبب في تقويض اقتصاد غزة الهش أصلًا.

وألقت أزمة الطاقة بظلالها على قطاع الزراعة، حيث يحدق الخطر بنحو 30,000 من أصل 80,000 دونم مزروعة بالخضار الموسمية في جميع أنحاء قطاع غزة بسبب عدم انتظام الري. ويرتبط هذا الأمر ارتباطًا مباشرًا بنقص الإمدادات من الكهرباء اللازمة لضخ الكميات الكافية من المياه من الآبار. وتقدر وزارة الزراعة الفلسطينية أنه لا يجري تأمين ما نسبته 60% من الطلب على المياه بسبب انقطاع الكهرباء.

طارق العمور يظهر منتوجاته الزراعية المتدنية الجودة. آب/أغسطس. صورة التقتت من قبل قطاع الأمن الغذائي.

والمزارعون الذين يزاولون عملهم في التجمعات الواقعة جنوب شرق قطاع غزة مثل شوكة والفخاري، إلى جانب مناطق من خزاعة والتويمات، من أكثر الفئات المتضررة على وجه التحديد. فالمزارعون في هذه المناطق كانوا يعتمدون اعتمادًا تامًا على المياه التي يجري ضخها من جنوب غرب قطاع غزة بالنظر إلى أن الملوحة العالية في المياه الجوفية المتوفرة في تلك المناطق تجعلها غير صالحة للري.

وفي الفترة التي سبقت شهر نيسان/أبريل 2017، كان هؤلاء المزارعون يدفعون 100 شيكل مقابل كل ساعة ضخ. وقد ارتفعت الأسعار بنسبة 40-50% منذ بداية الأزمة، مما وضع المزارعين أمام خيارات صعبة، فإما أن يسددوا التكاليف الإضافية، وهو ما ينطوي في العادة على لجوئهم إلى الاقتراض أو الغرق في المزيد من الديون، وإما أن يرفعوا أسعار محاصيلهم ويفقدوا ميزتهم التنافسية، وإما أن يقلصوا فترات الري ويقللوا بالتالي من جودة محاصيلهم، وإما أن يمنحوا الأولوية لزراعة أنواع معينة من الخضراوات التي يمكنها النمو بكميات قليلة من المياه، وإما أن يتخلوا عن الزراعة برمتها. ومن الجدير بالذكر أن العديد من المزارعين توقفوا عن ري محاصيلهم وتركوا أراضيهم المزروعة لرعي الماشية فيها وتخلوا عن الزراعة لتربية الماشية.

وتشير تقديرات وزارة الزراعة الفلسطينية إلى أن المنطقة الزراعية الواقعة شرقيّ خانيونس هي الأكثر تضررًا، حيث يُتوقع أن تصل أعلى الخسائر في الاستثمار الفعلي إلى 60%، كما تقدر الخسائر في محافظتيّ شمال غزة وغزة بما نسبته 40%. ومن المتوقع أن يؤدي نقص مستوى الري إلى انخفاض إنتاجية البساتين وأشجار الفواكه بنسبة تتراوح من 20% إلى 30%، بحيث يتجاوز مجموع الخسائر 170 مليون شيكل. ويجري تخزين أكثر من ثلثيّ إنتاج البطاطا في مخازن مبردة تحتاج إلى الكهرباء دون انقطاع. وتقدر الخسارة المترتبة على تلف المحاصيل وارتفاع تكلفة تشغيل الثلاجات بـ24 مليون شيكل إذا لم تُحَل هذه المشكلة.

وقد تفضي الآثار الناجمة عن أزمة الكهرباء على المدى البعيد بالمزارعين إلى فقدان الدافع والقدرة على تأمين رأس المال الذي يلزمهم للاستثمار في مشاريع تفتقر إلى الأمان بدرجة عالية. ولذلك، فقد يتجه المزارعون إلى زراعة الأراضي الزراعية التي يلزمها ري مكلف بمحاصيل تتطلب كميات قليلة من مياه الري. وغالباً ما يكون هامش الربح في هذه المحاصيل أقل من غيرها بكثير. ولا يؤدي هذا التحول إلى تراجع دخل المزارعين بصورة ملموسة فحسب، بل يتسبب كذلك في تدني جودة المحاصيل الزراعية (النباتية والحيوانية) وكمياتها المتوفرة في قطاع غزة. وقد يؤدي هذا الوضع إلى ارتفاع الأسعار وتحجيم قدرة الفئات الضعيفة على الحصول على المواد اللازمة التي يحتاجون إليها لسد احتياجاتهم الغذائية الأساسية ما لم تُتَّخذ تدابير حمائية للحيلولة دون ذلك. وعلى المدى البعيد، تصبح الأسر الضعيفة والأسر التي تملك قدرة أقل على الصمود والأسر التي تتمتع بأمن غذائي متوسط عرضة لانعدام الأمن الغذائي، مما يزيد من اعتمادها على المساعدات. ومن شأن انقطاع الكهرباء لفترات إضافية أن يفضي إلى تفاقم التحديات المذكورة أعلاه وأن يجعل أنشطة الإنتاج الزراعي التي تعتمد على الكهرباء أقل قابلية للاستمرار.

من أجل تنفيذ تدخلات عاجلة ترمي إلى إنقاذ الأرواح في قطاعات الصحة والمياه والصرف الصحي والأمن الغذائي.

تدخلات مخطط لها وجارية في قطاع الأمن الغذائي

وفي سياق الاستجابة لهذا الوضع المتفاقم، وجهت الوكالات الإنسانية العاملة في الأرض الفلسطينية المحتلة مناشدة للمجتمع الدولي في شهر تموز/يوليو لتقديم 25 مليون دولار أمريكي في صورة تمويل إنساني من أجل تنفيذ التدخلات العاجلة التي ترمي إلى إضفاء الاستقرار على الوضع في قطاع غزة. وقد خُصص مبلغ 8.8 مليون دولار من هذا التمويل لتنفيذ 14 تدخلًا في قطاع الأمن الغذائي. ومن جملة هذه التدخلات المساعدات الغذائية، والنقد مقابل العمل، ودعم التعافي، وتعزيز سبل العيش القادرة على الصمود، وزيادة القدرة الإنتاجية للأصول الزراعية وتحسين دخل الرجال والنساء الضعفاء. وقد جرى تسلُّم ما نسبته 37% من التمويل المخصص لقطاع الأمن الغذائي حتى يوم 25 آب/أغسطس، حيث بات من الممكن معه تنفيذ ستة تدخلات.

وكان ما مجموعه 133 تدخلًا من بين التدخلات المقترحة في غزة يشكّل جانبًا من خطة الاستجابة الإنسانية التي أُطلقت في شهر كانون الأول/ديسمبر 2016. وكان قطاع الأمن الغذائي قد قدّم 34 تدخلاً بتكلفة بلغت 215 مليون دولارًا أمريكيًا من هذه التدخلات، غير أنها لم تنفَّذ بسبب نقص التمويل.

وما يزال قطاع الأمن الغذائي يقيّم الآثار قصيرة الأمد والآثار المتوقعة على المدى الطويل لاستمرار انقطاع الكهرباء على قطاع الزراعة. وبالشراكة مع مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، يتابع قطاع الأمن الغذائي التطورات من خلال مؤشرات معتمدة تشمل مؤشر إستراتيجيات التأقلم[1] الذي يراقب سعر التجزئة لبعض الخضراوات الأساسية. كما عمل قطاع الأمن الغذائي مع وزارة الزراعة وشبكة المنظمات الأهلية على نشر ورقة تحدد الآثار الرئيسية التي يخلّفها انقطاع الكهرباء على قطاع الزراعة.

الانقسام الفلسطيني الداخلي وأزمة الطاقة: خلفية

تفاقمت أزمة الطاقة، التي بدأت في العام 2006، بصورة خطيرة في منتصف شهر نيسان/أبريل 2017 بعدما نشأ خلاف بين السلطات الفلسطينية في رام الله وغزة حول التمويل والضرائب المفروضة على الوقود الذي يجري توريده إلى محطة كهرباء غزة. وفي أيار/مايو، خفضت حكومة رام الله الدفعات التي تسددها لإسرائيل مقابل الكهرباء التي تشتريها لمصلحة غزة. وفي حزيران/يونيو، خفضت إسرائيل كمية الكهرباء، التي كانت تصل إلى 60% من مجمل الطاقة الكهربائية التي تزودها لغزة، بنسبة 33%. وعلى الرغم من أن حكومة الأمر الواقع في غزة أجرت ترتيبات لشراء الوقود من مصر، تشهد كميات الوقود تفاوتًا ولا تعد كافية لإعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل نيسان/أبريل، حينما كانت الكهرباء تنقطع من 14 إلى 16 ساعة في اليوم (آذار/مارس 2017). وزادت أزمة الرواتب من تعقيد هذه التطورات. ففي شهر آذار/مارس 2017، قلصت السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية رواتب 62,000 موظف في غزة بنسبة تتراوح من 30% إلى 50%. وفضلاً عن ذلك، ما يزال نحو 22,000 موظف عيّنتهم سلطات حماس على ما يقل عن نصف رواتبهم وعلى أساس غير منتظم منذ العام 2014. وتمتد الآثار المباشرة التي يفرزها هذا الوضع على الموظفين وأسرهم إلى الاقتصاد بعمومه بسبب تراجع نسبة الاستهلاك.

مزارعو خانيونس الأكثر تضررًا من أزمة الكهرباء

قد سببت أزمة الكهرباء المستمرة عائقا  للزراعة لدى طارق العمور، وهو أب لستة أطفال ويبلغ من العمر 44 عامًا، من محافظة خانيونس.

ففي شهر شباط/فبراير، استثمر طارق نحو 16,000 شيكل في زراعة ثمانية دونمات من الأرض في منطقة الفخاري بأربعة أنواع من الخضراوات، وهي: الباذنجانوالكوسا والفقوس والشمام. ونظرًا للملوحة العالية في المياه الجوفية في المنطقة، يعتمد المزارعون اعتمادًا كاملًا على المياه التي تُضَخّ من أقصى غرب قطاع غزة عبر خطوط ناقلة يتراوح طولها من 8 إلى 10 كيلومترات. وكان طارق يدفع 100 شيكل لقاء كل ساعة ضخ للمياه في الفترة التي سبقت بروز أزمة الطاقة الأخيرة.

وبعدما تفاقمت أزمة الكهرباء في شهر نيسان/أبريل وارتفعت تكلفة ضخ المياه، بات يتعين على طارق أن يدفع 160 شيكل مقابل كل ساعة ضخ.

ولذلك، لم يعد طارق يملك القدرة على تحمّل تكاليف ري محاصيله. وقد أقدم على إتلاف المحاصيل التي تحتاج إلى الري أكثر من غيرها، بدءاً بالباذنجان، حتى يتأقلم مع الواقع الجديد الذي طرأ عليه. ومع استمرار أزمة الطاقة، لم يعد طارق قادراً على تحمل تكاليف ري ما تبقى من محاصيله، مما حدا به إلى إتلاف محصوليّ الشمام والفقوس، ولم يترك سوى محصول الكوسا. ولم يكن في مقدوره إلا أن يروي هذا المحصول بصورة غير منتظمة، مما أثر على جودة محصوله وأدى إلى انخفاض الإنتاج من 5 طن إلى 2 طن لكل دونم. ويقدّر طارق الخسائر التي تكبدها بـ10,000 شيكل.

وقال طارق، الذي يعيل 10 أفراد: "أنتظر حتى نهاية الموسم، مثل أي مزارع آخر، لكي أتمكن من شراء أشياء جديدة لمنزلي وإصلاحه. وقد تسببت خسائري الحالية في تقويض الخطط التي وضعتها لشراء ثلاجة جديدة والقيام بإصلاحات في المنزل."

وعند سؤاله عن خططه المستقبلية في الزراعة، أجاب: "لن أزرع أي محصول هذا الصيف بسبب هذه الخسائر. فأنا لا أملك القدرة على تحمُّل تكاليف ذلك، كما أنني لا أستطيع المجازفة بتحمل خسائر إضافية غير متوقعة. أفكر بزراعة البازيلاء في الشتاء وبالاعتماد على مياه الأمطار، ربما أزرع الملفوف أيضاً."

الهوامش

[1] مؤشر استراتيجيات التأقلم عبارة عن أداة تستخدم لغايات إجراء قياس سريع للأمن الغذائي لدى الأسر وللآثار التي تفرزها برامج المساعدات الغذائية في حالات الطوارئ الإنسانية. والدليل الأصلي، الذي أُعِد في العام 2003، مبني على مشروع بحث مشترك نفذه برنامج الأغذية العالمي والجمعية التعاونية للمساعدة والإغاثة في كل مكان (CARE) في كينيا.

النسخة الملزمة للتقرير هي النسخة الإنجليزية