نشرت بتاريخ 11 مارس 2017
 كجزء من  

بعد ثماني سنوات من عملية الرصاص المصبوب العسكرية 2008-2009 في غزة: تواصل غياب المسائلة القانونية

لا تزال المساءلة القانونية عن انتهاكات القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان الدولي التي اقترفتها جميع الأطراف خلال الأعمال القتالية المتعاقبة في قطاع غزة أولوية عاجلة. إن الفشل في ضمان الملاحقة والمساءلة القانونية الفعالة عن إزهاق الأرواح وتدمير المنازل وإلحاق الأذى، ينمي ثقافة الإفلات من العقاب التي قد تؤدي إلى اقتراف المزيد من الانتهاكات. وبعد مرور ثماني سنوات على الأعمال القتالية التي وقعت في قطاع غزة (2008-2009)، لا يزال الضحايا يتحملون العواقب مع استمرار انعدام المساءلة.

لا توجد أي معلومات عن تحقيقات تجريها السلطات الفلسطينية بشأن الانتهاكات المزعومة التي ارتكبتها الجماعات الفلسطينية المسلحة في الأعمال القتالية 2008/2009. وتظهر الأرقام المنشورة في إسرائيل، أن منظمات المجتمع المدني نيابة عن ضحايا الأعمال القتالية 2008-2009 قدمت 510 شكاوى جنائية على الأقل إلى المدعي العام العسكري الإسرائيلي. وفتحت التحقيقات في 52 شكوى؛ إلا أنه لم تؤد سوى أربعة حالات فقط إلى إصدار لائحة اتهام وإدانة في وقت لاحق. وبلغت أعلى مدة عقوبة بالسجن، سبعة أشهر ونصف، على جندي أدين بسرقة بطاقة ائتمان.

ورفعت منظمات المجتمع المدني نيابة عن الضحايا الفلسطينيين قضايا للمطالبة بالتعويض إلى موظف التعويض في وزارة الجيش الإسرائيلي بلغ مجموعها 1,456 مطالبة بالتعويض من بينها 100 قضية مدنية أمام المحاكم الإسرائيلية أقامتها 620 ضحية للحصول على التعويض. وحتى الآن، لم تحصل سوى ثلاث مطالبات (تضم خمسة أشخاص) على تعويض. ورفضت 91 دعوى بسبب الحواجز التشريعية، والمسائل الإجرائية، وطلبات المحكمة الحصول على ضمانات. ولا تزال هناك ست قضايا معلقة في المحاكم المدنية الإسرائيلية، إحداها على الأقل ستُعقد لها جلسة استماع في آذار/مارس 2017.

حرب غزة 2008-2009: عملية “الرصاص المصبوب” العسكرية

فتاة تنظر إلى موقع مدمر بعد حرب غزة 2008 – 2009. شباط/فبراير 2009. تصوير اليونيسف

عائلة الداية: مقتل عدة أفراد من العائلة في غارة جوية

في السادس من كانون الثاني/يناير 2009، أطلقت القوات الإسرائيلية قذيفة على مبنى سكني مكون من ثلاثة طوابق تعود إلى فايز مصباح الداية، الواقع في حي الزيتون شرق مدينة غزة. قُتل 22 فرداً من أفراد الأسرة، من بينهم 6 نساء و12 طفلاً. وخلص تحقيق أجرته إسرائيل إلى أن الهجوم على المنزل كان نتيجة “خطأ تشغيلي”؛ وأن الضربة كانت تهدف إلى تدمير منشأة لتخزين الأسلحة تقع في مبنى مجاور للمنزل. وخلص التحقيق إلى أن الجيش الإسرائيلي أطلق طلقات تحذيرية على سطح منزل الداية.[1] وبعد وقوع الهجوم، رفع المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان دعوى قضائية أمام محكمة الناصرة المركزية. ورفضت المحكمة قضية التعويض، على الرغم من أن الجيش الإسرائيلي اعترف بأن منزل الداية قد استهدف عن طريق الخطأ لأنه كان موجودا بجوار مخزن للأسلحة، وهو الهدف المقصود.

وأجرت بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق بحثا دقيقا حول قضية عائلة الداية وخلصت إلى وجود “إخفاق كبير في بذل العناية الواجبة من جانب إسرائيل” ... وهو “يشكل انتهاكا للحق في الحياة كما هو منصوص عليه في المادة 6 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والحقوق السياسية التي تعد إسرائيل طرفا فيها”. وخلصت البعثة إلى أن تحقيق إسرائيل في الحادث” يفتقر إلى الشفافية والمصداقية “[2]

شهادة أحد الناجين [3]

“في السادس من كانون الثاني/يناير 2009، كنت عائداً إلى البيت بعد صلاة الفجر مباشرة. وكان معظم أفراد أسرتي - والدي، والدتي، وأخوتي، وأخواتي، وزوجتي الحامل، وخمسة أطفالي - في المنزل. وعندما وصلت إلى المنزل، ضربت غارة جوية المنزل دون سابق إنذار. أصبت بإصابات طفيفة في صدري ولكني تمكنت من الوقوف.

قتل على الفور واحد وعشرون فردا من أفراد عائلتي. وأصيب فرد آخر من أفراد الأسرة (رضوان فايز مصباح الداية) بجروح خطيرة وأعلنت وفاته بعد ثلاثة أيام. وصل الجيران وبدأت جرافة بإزالة الأنقاض. بدأنا البحث عن الجثث وعثرنا على بعضها ممزقة. لم نتمكن من العثور على جثة زوجتي وجثث أطفالي الخمسة. ربما ذابت جثثهم نتيجة لحرارة الانفجار. استمرت الجرافة في الحفر لمدة ثلاثة أيام حتى عثرت على يد بها خاتم مكتوب عليه اسمي واسم زوجتي.

أما شقيقي الآخر نافذ، الذي كان يسكن في بيت والد زوجته، جاء يساعدني بعد هذا الحادث. لم أستطع تحمل العودة إلى الحي الذي أعيش فيه وسكنت عند أصدقائي لتسعة أشهر. بعد مرور عام، أقنعني أخي بالزواج مجدداً. تلقيت 150 دولارا أمريكيا شهريا من الأونروا (وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين) للمساعدة في دفع الإيجار لمدة عامين تقريبا. اتفقت مع إخوتي على بيع منزل ورثناه من والدي وتمكنا من شراء مبنى جديد لنا جميعا بتلك الأموال. انتقل شقيقي الأصغر إلى شقته قبل شهرين فقط من بدء الأعمال القتالية في عام 2014.

خلال الأعمال القتالية في 14 تموز / یولیو (16 رمضان) عام 2014، ضرب صاروخ تحذيري سقف منزلنا الجديد. وأخلينا المنزل على الفور، وقُصف المنزل بقذيفة كبيرة مع خروج آخر فرد من عائلتنا. علمت بعد ذلك أن الجيش الإسرائيلي اتصل بأخي وقتها ولكنه كان في حي الرمال في غرب مدينة غزة، وطلب منه إخلاء المنزل في عشر دقائق. أخبره أخي أنه بعيد عن المنزل ويحتاج المزيد من الوقت. وأبلغه الجيش الإسرائيلي بأنه سيوجه تحذيرا.

بعد توقف الأعمال القتالية، قامت الأونروا بتقييم بيتي. تمكن اثنان من إخوتي من بناء وحدات سكنية في نفس الموقع الذي دمر فيه المنزل. في العام الماضي، بدأت بتلقي مخصصات من منحة كويتية لبناء منزل جديد. لا أريد إعادة البناء على موقع المنزل المدمر، لأنه في الجولة القادمة من الصراع سوف يُقصف المنزل مرة أخرى. أريد أن أترك هذا الحي.

لدي الآن خمسة أطفال. نعيش في محل مساحته 60 مترا مربعا في الطابق الأرضي من منزل والد زوجتي. وبسبب الرطوبة يعاني أطفالي من البرد والمرض، وغالبا ما يصابون بالتهابات العين. عندما يزورنا الباحثون الميدانيون؛ ويشاهدون ظروف معيشتهم يشعرون بالأسف إزاء عائلتي ويقولون لي لا يستطيع أحد العيش في هذا البيت. أتلقى مساعدات لدفع الإيجار (150 دولارا) من الأونروا. أنفق 100 دولار على الإيجار والباقي أصرفها على المعيشة.

أبلغوني بأن التحقيق في حادث عام 2009 قد أغلق ورُفضت قضية التعويض. لا أستطيع أن أفهم لماذا قتلوا زوجتي وأطفالي. لماذا دمروا بيتي في عام 2009 ومرة أخرى في عام 2014؟ ما هي مشكلتهم مع عائلة الداية؟ أريد أن أفهم لماذا فعلوا ذلك. لا أستطيع بناء منزل آخر في نفس المكان. لم أعد أرغب بالعيش في حي الزيتون ".


[1] “نتائج التحقيقات في المطالبات الرئيسية والمسائل المتعلقة بعملية الرصاص المصبوب”، 22 نيسان/أبريل 2009، الملحق (ج).

[2] تقرير جولدستون، الفقرات بين 864-866

[3] مقابلة مع محمد فايز مصباح الداية، 19 شباط / فبراير 2017، غزة

النسخة الملزمة للتقرير هي النسخة الإنجليزية