أم صالح شريتح وهي تقف أمام منزلها في المزرعة القبلية، وسط الضفة الغربية. تصوير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية
أم صالح شريتح وهي تقف أمام منزلها في المزرعة القبلية، وسط الضفة الغربية. تصوير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية

مصممون على البقاء: موقف أم صالح الذي لا يلين في مواجهة عدوان المستوطنين

تبيّن أم صالح، التي تسكن على مشارف المزرعة القبلية التي تتربع على التلال وسط الضفة الغربية، الخوف الذي تعيشه أسرتها في كل يوم بسبب المستوطنين الإسرائيليين. تقول: «إنهم لا يتركوننا في حالنا.» «قبل بضعة أيام، وجدناهم جالسين على الأرجوحة في باحتنا، وهددوا بقتلنا.»

وفي واحد من تلك الحوادث، أصيب ابن أم صالح مع فلسطينيين آخرين في 22 تموز/يوليو 2023، بعدما ألقى المستوطنون الإسرائيليون الحجارة على منزلهم ومركباتهم. وعندما تجمع الجيران للاحتجاج على هذا الاعتداء وألقوا الحجارة لإجبار المعتدين على الابتعاد، تدخلت القوات الإسرائيلية وأطلقت الأعيرة المعدنية المغلفة بالمطاط وعبوات الغاز المسيل للدموع، مما أسفر عن وقوع إصابات بين سكان القرية.

وقصة أم صالح ليست حالة معزولة، بل تعد صورة مصغرة عن قضية أكبر، تثير الشواغل الإنسانية والقلق إزاء حقوق الانسان.

Umm Saleh Shreteh standing in front of her house in Al Mazra’a Al Qibliya, the central West Bank. Photo by OCHA
أم صالح شريتح وهي تقف أمام منزلها في المزرعة القبلية، وسط الضفة الغربية. تصوير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية

على مر السنين، أقيمت مستوطنات إسرائيلية بجوار هذه القرية الفلسطينية، بل وتعدت على الأراضي المملوكة ملكية خاصة وعلى نبع من ينابيع المياه الطبيعية.  ونتيجة لذلك، ما انفك الحيز المتاح لسكان القرية يتقلص شيئًا فشيئًا، وغدا العنف أو العدوان ينتشر على نطاق واسع.

ففي 20 كانون الأول/ديسمبر 2022، دخل المستوطنون الإسرائيليون متنزهًا عامًا في القرية واعتدوا جسديًا على الأطفال وضربوهم بالعصي. وإجمالًا، وثّق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية 16 حادثًا أقدم فيها أشخاص يعرف عنهم أو يعتقد بأنهم مستوطنون إسرائيليون على تعريض سلامة الأسر الفلسطينية في المزرعة القبلية أو تقويض سبل عيشها منذ العام 2022. فقُطعت أشجار الفاكهة أو اقتلعت أو أتلفت، ودمرت الجدران أو الأسيجة المعدنية وتعرض المزارعون للمضايقات أو الاعتداءات.

Map: Al Mazra’a Al Qibliya and nearby Israeli settlements
خريطة: المزرعة القبلية والمستوطنات القريبة منها

وتحتل المناطق المأهولة التي يشغلها نحو 250 مستوطنة مقامة في شتى أرجاء الضفة الغربية، وجميعها تنتفي الصفة القانونية عنها بموجب القانون الدولي الإنساني، ما يقرب من 3 بالمائة من مساحة أراضيها. ومع ذلك، تمتد حدودها البلدية إلى ما هو أبعد من تلك المساحة بكثير، حيث تغطي نحو 10 بالمائة من الأراضي التي يحظر على الفلسطينيين الوصول إلى شطر كبير منها، حتى بالنسبة لأولئك الذي يملكون أراضٍ تقع ضمن تلك الحدود. وتنتشر المستوطنات في جميع أنحاء الأرض الفلسطينية، ولا تترك أي منطقة فلسطينية بمنأى عن الضرر الذي تسببه.

وتخبرنا أم صالح بأن المستوطنين غالبًا ما يكونون مسلحين في هذه المنطقة. 

وتثير أعمال العنف أو المضايقات التي يرتكبها المستوطنون الخوف في نفوس الفلسطينيين وهم في طريقهم إلى أراضيهم. ففي العام 2022، وثق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية 856 حادثًا ارتبط بالمستوطنين في مختلف أنحاء الأرض الفلسطينية المحتلة، وهو ما يشكل أعلى حصيلة سنوية سجلها المكتب. وفي العام 2023، سجل ما مجموعه 593 حادثًا خلال الأشهر الستة الأولى، وهو ما يشير إلى اتجاه لا يفتأ يتصاعد ويثير القلق. ومع ذلك، فلا تعكس هذه الإحصائيات سوى الحوادث التي تفضي إلى وقوع ضحايا أو إلحاق أضرار بالممتلكات. وتفضي هذه القضية بنطاقها الأعم، وبما تنطوي عليه من المضايقات والتعديات، كتلك التي تواجهها أم صالح وأسرتها، إلى استشراء الخوف والصدمات النفسية، التي تمر دون أن يلتفت إليها أحد.

وقد دأب سكان المزرعة القبلية على الاحتجاج على الأنشطة الاستيطانية، ولكن هذا في حد ذاته له أثره على سلامتهم ورفاههم. فمنذ العام 2018، سجل مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية سقوط ثلاثة ضحايا فلسطينيين، من بينهم فتى عمره 17 عامًا قُتل مؤخرًا بعدما أصيب في بطنه في تشرين الأول/أكتوبر 2022. وقد قتلت القوات الإسرائيلية هؤلاء جميعًا بالذخيرة الحية خلال هذه المظاهرات وما نجم عنها من مواجهات. وأصيب آخرون كثر بجروح.

ويُلحق الاستيلاء على الأراضي، وما يقترن به من صعوبة وصول الناس بأمان إلى أماكن عملهم وإلى الخدمات الأساسية، الضرر بسبل عيش التجمعات السكانية. ويفرز هذا الوضع حاجة ماسة إلى الحماية والدعم النفسي والاجتماعي وغيره من أشكال الاستجابة الإنسانية البالغة الأهمية.

الحوادث المرتبطة بالمستوطنين وأسفرت عن سقوط ضحايا فلسطينيين أو إلحاق الأضرار بالممتلكات

 

لا يقع عنف المستوطنين في معزل، وإنما يعد ممارسة من ممارسات متعددة مرتبطة بالاحتلال وتشكل، بمجموعها، بيئة قسرية. ومن جملة هذه الممارسات هدم المنازل وعمليات التفتيش والاعتقال وفرض القيود على التنقل. وتفرض الممارسات المذكورة الضغط على كاهل الفلسطينيين لكي تدفعهم إلى الرحيل عن منازلهم وتجمعاتهم السكانية، مما يعرضهم لخطر الترحيل القسري.

The hills of Al Mazra’a Al Qibliya. Photo courtesy of Al Mazra’a Al Qibliya Municipality
تلال المزرعة القبلية. حقوق الصورة لبلدية المزرعة القبلية

وغير بعيد عن منزل أم صالح، ثمة منزل فلسطيني آخر خالٍ كانت تسكنه فيما مضى أسرة تضم سبعة أفراد. فقد اضطرت أسرة لدادوة إلى الرحيل عن منزلها في العامة 2021 بسبب اعتداءات المستوطنين المتواصلة في المنطقة. ويتعرض منزل الأسرة الذي شيدته في العام 1996 الآن لخطر هدمه على يد السلطات الإسرائيلية لأنه يقع في المنطقة (ج)، حيث لا تصدر رخص البناء للفلسطينيين إلا في أحوال نادرة. وقد صدرت بالفعل أوامر عدة بهدمه. وفي 14 أيار/مايو 2023، حاول المستوطنون الإسرائيليون اقتحام هذا المنزل.

كما هُجِر منزل فلسطيني آخر، يقع على قمة تلة تطل على منزل أم صالح، ولكنه ما عاد خاليًا. فقد استولى المستوطنون عليه. ويحاول محامٍ الآن مساعدة أصحاب المنزل على استعادته، ولكن دون جدوى حتى الآن.

كما تذكرنا حالة شهدتها عين سامية، التي تقع على بعد 20 كيلومترًا إلى الشرق من المزرعة، مؤخرًا بهذا التهديد. فهناك، فكك أبناء التجمع البالغ عددهم 178 نسمة منازلهم ورحلوا عنه في أيار/مايو 2023، وكان عنف المستوطنين هو السبب نفسه. وفي تجمع وادي السيق المجاور، رحلت أربع أسر - 11 بالغًا و16 طفلًا - عنه في شباط/فبراير 2023، بعد إقامة مستوطنة إسرائيلية على مقربة منه، وانتقلت هذه الأسر إلى موقع آخر. وأخبرتنا هذه الأسر بأنها لا تنوي العودة إلى ديارها.

ولم تزل أسرة شريتح صامدة حتى الآن على الرغم من الضغط الهائل الذي يدفعها إلى الرحيل. تقول أم صالح: «لا نريد أن نرحل، ولكنهم يجعلون حياتنا لا تطاق.»

ويجد محمد، زوج أم صالح، نفسه مضطرًا للبقاء في منزله معظم الوقت على أمل أن وجوده فيه سيؤمّن الحماية من مضايقات المستوطنين. وقد فرض هذا الوضع عبئًا ماليًا هائلًا على كاهل الأسرة، بالنظر إلى أن قدرة محمد على العمل تراجعت إلى حد كبير. من الواضح أن البقاء على قيد الحياة لا يتعلق فقط بتأمين منزل المرء، ولكن أيضًا بالحفاظ على سبل العيش وسط الظروف القاسية. وهذا مدعاة للقلق العميق على الصعيد الإنساني لأن الأسر، كأسرة شريتح، لا تواجه خطر التهجير فحسب، وإنما التهديد الذي يحدق بانعدام استقرارها الاقتصادي.

Vandalized olive groves in Al Mazra’a Al Qibliya. According to municipality officials, the damage was perpetrated by Israeli settlers. Photo courtesy of the Al Mazra’a al Qibliya Municipality, October 2021.
حقول الزيتون وقد طالها التخريب في المزرعة القبلية. ووفقًا لمسؤولي البلدية، تسبب المستوطنون الإسرائيليون في هذا الضرر.  بإذن من بلدية المزرعة القبلية، تشرين الأول/أكتوبر 2021.

ويؤدي مجتمع العمل الإنساني ما عليه في دعم هذه الأسر، حيث تقدم بعض المنظمات الشريكة الدعم القانوني أو المساعدات الطارئة أو الوجود لغايات تأمين الحماية. ومع ذلك، غالبًا تتعطل مساعينا بسبب نقص التمويل والقيود التي تعوق تأمين الحماية تحت نير الاحتلال العسكري. وبينما يواصل شركاؤنا تقديم الدعم، لا تزال الأسباب الجذرية التي تقف وراء هذه الأزمة دون معالجة.

وتبين قصة أم صالح كيف أن الفلسطينيين ما انفكوا يقاسون المشاق العسيرة والتهديدات والخوف.