نشرت بتاريخ 20 يوليو 2020
 كجزء من  

منهَكون: العيش بجوار مكبّ للنفايات

ساهم في كتابة هذه المقالة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)

يقول أبو أحمد، وهو أب لسبعة أطفال ويسكن بجوار مكبّ عشوائي للنفايات في بيت لاهيا بمحافظة شمال غزة: "لقد دمّر مكب النفايات حياتنا. فالهواء الذي نستنشقة ليس نظيفًا والبيئة التي نعيش فيها ليست صحية. أحبّ بيت لاهيا. لقد كانت منطقة زراعية، وكان في وسعنا أن نأكل مما نزرع. وكانت المياه جيدة أيضًا. أما الآن، فالمنطقة يعيث فيها الخراب وخزان المياه الجوفية ملوّث. وأنا أكره حقًا أن أقول ذلك، ولكنني أتمنى الرحيل."

تُعد إدارة النفايات الصلبة، بما يشمل جمعها ونقلها والتخلص منها، من بين أشد التحديات التي تواجه مقدّمي هذه الخدمة في قطاع غزة. فكما هو الحال بالنسبة للخدمات الأخرى، تقوّضت إدارة النفايات الصلبة نتيجةً لما يزيد عن عقد من الحصار الإسرائيلي، والانقسام الداخلي الفلسطيني وتكرار نشوب الأعمال القتالية. وباتت مواقع طمر النفايات ومكباتها تستوعب أكثر من طاقتها، ولا يجري فصل النفايات وفرزها وإعادة تدويرها. والمعدات قديمة وعفا عليها الزمن، وأعمال الصيانة لا تسير بانتظام، ومعالجة النفايات الخطرة قاصرة، وجمع الرسوم محدود.

وقد ازداد الوضع تدهورًا منذ تفشي وباء فيروس كورونا، وبسبب تفاقم الأحوال الاجتماعية والاقتصادية وشحّ الموارد المتيسرة لمقدمي الخدمات، فضلًا عن المخاطر الإضافية التي تفرضها الحاجة إلى إدارة الكميات المتزايدة من النفايات الملوثة بأمراض معدية.

مكب النفايات في بيت لاهيا، شمال غزة. تصوير: برنامج الأمم المتحدة الإنمائي

جمع النفايات الصلبة في ظل تفشي الوباء

ينتج سكان غزة، الذين يقارب تعدادهم مليونيْ نسمة، نحو 2,000 طن من النفايات في اليوم. وتقدّم خدمات إدارة النفايات الصلبة عشر بلديات، إلى جانب مجلس خدمات مشترك. وتشغّل هذه الجهات مجتمعةً نحو 1,200 موظف، وتعتمد على نحو 500 عربة تجرّها الحمير، و76 مركبة لجمع النفايات و23 آلة أخرى، كآلات ضغط النفايات وتحميلها.[1]

وحاليًا، ليس ثمة نظام متخصص لإدارة النفايات الصلبة الملوثة بأمراض معدية. فهذه النفايات يجمعها موظفو البلدية أنفسهم، ويجري التخلص منها في نفس الحاويات وتُنقل إلى نفس المكبات، شأنها شأن النفايات الصلبة العادية. ولذلك، وعلى الرغم من احتواء تفشي وباء فيروس كورونا في غزة إلى حد كبير، تشكّل النفايات الصلبة مصدرًا محتملًا لانتقال العدوى بهذا الفيروس.[2]

وبسبب انكماش النشاط الاقتصادي في أعقاب تفشي الوباء والقيود المرتبطة به، تراجع متوسط معدل تحصيل الرسوم البلدية في مختلف أنحاء قطاع غزة من 22 بالمائة في شهر كانون الثاني/يناير 2020 إلى ما لا يتجاوز 13 بالمائة في شهر نيسان/أبريل. ولتفادي انهيار تام في الخدمات، أعلن مجلس بلديات غزة في يوم 28 نيسان/أبريل عن تقليص نطاق جميع الخدمات البلدية ووتيرتها، بما يشمل إدارة النفايات الصلبة، فضلًا عن تأجيل دفع رواتب الموظفين.

ومن جملة التدابير الأخرى، اضطُرت البلديات إلى تقليص التمويل المرصود لشراء الوقود اللازم لتشغيل المركبات والآلات التي تستخدمها في إدارة النفايات الصلبة. فوفقًا لتقييم أجرته مجموعة المياه الصرف الصحي والنظافة الصحية مؤخرًا، جرى تعليق جمع النفايات الصلبة لدى 30 بالمائة من الأُسر في غزة منذ أواخر شهر نيسان/أبريل، ولا سيما تلك التي تقطن على أطراف المناطق الحضرية. 

وقد أدى ذلك إلى تراكم أطنان من النفايات غير المجمَّعة في بعض المناطق. ويفيد سكان هذه المناطق إلى أن الروائح تشتدّ حدتها مع ارتفاع درجات الحرارة، حيث يصبح الهواء مشبعًا بالملوثات السامة. ومما يزيد الوضع سوءًا اندلاع الحرائق وتصاعد أعمدة الدخان. كما تجذب النفايات المتراكمة الكلاب والقطط الضالة، والقوارض – وجميعها ناقلات محتملة للأمراض، وهو ما يزيد من الشواغل المتعلقة بالسلامة، ولا سيما في أوساط الأطفال.

وثمة مكبان رسميان للنفايات في غزة حاليًا – وهما مكبّا الفخاري وجحر الديك – وكلاهما يقع على مسافة تقارب 500 متر من السياج الحدودي مع إسرائيل (انظر الخريطة). وقد أُغلق مكب آخر شرق دير البلح في شهر تموز/يوليو 2019. 

وبالنظر إلى القيود التي يفرضها الجيش الإسرائيلي الوصول في المناطق المحاذية للسياج، وإطلاق الذخيرة الحية في سياق فرض هذه القيود، دأبت البلديات على إخطار الجيش سلفًا بدخول الشاحنات إلى هذين المكبين من خلال السلطة الفلسطينية. وقد توقف هذا الإجراء في أواخر شهر أيار/مايو بعدما علّقت السلطة الفلسطينية التنسيق مع السلطات الإسرائيلية. ونتيجةً لذلك، قلّص موظفو البلديات وتيرة زياراتهم إلى المكبين خشية من تعرُّضهم لإطلاق النار. ولم يسجَّل وقوع أي ضحايا حتى الآن في هذا السياق.

التحدي الذي تفرضه المكبات العشوائية

يشير أبو أحمد إلى أنه لم يختر أن يسكن على مقربة من مكب نفايات عشوائي: "بدأت مشاكلنا في العام 2005 عندما تحول حيّنا إلى نقطة لنقل للنفايات. ولا يزال الوضع يزداد سوءًا منذ العام 2009، حيث بات الحي يتحول شيئًا فشيئًا إلى مكب نفايات عشوائي وكمية النفايات تزيد."

ويبلغ تعداد سكان بيت لاهيا نحو 40,000 نسمة، ويقع مكب النفايات التابع لها على مشارف منطقة سكنية. ويمتد هذا المكب حاليًا على مساحة تربو على 100 دونم ويحوي 300,000 طن تقريبًا من النفايات. ويشهد المكب، مع متوسط يبلغ 160 طنًا من النفايات التي تضاف إليه يوميًا، توسعًا سريعًا وغدا يقترب من المناطق الأكثر اكتظاظًا بالسكان. ويوجد مكبان كبيران آخران في أم النصر وجباليا، بمحافظة شمال غزة أيضًا (انظر الخريطة)، فضلًا عن عدة مكبات أصغر منهما في مختلف أنحاء القطاع. 

وحسبما تبيّن في دراسة أجرتها منظمة الصحة العالمية، "قد يسبب التخلص من النفايات بطريقة غير ملائمة أو النفايات غير المعالجة مشاكل صحية خطيرة للسكان في المناطق المحيطة بمنطقة التخلص منها."[3] وحدّدت الأبحاث التي أُجريت في المناطق الريفية بمحافظة الخليل في الضفة الغربية على ترابط حيزي قوي بين مواقع حرق نفايات الأجهزة الكهربائية والإلكترونية (كالبطاريات والأدوات الكهربائية وأجهزة الكمبيوتر) وانتشار سرطان الغدد الليمفاوية بين الأطفال.[4]

ويشكو ابو أحمد: "هذا الوقت هو موسم البعوض، وتغطي لسعات هذه الحشرات وجوه أطفالنا. انظر إلى ابنتي سلمى: عمرها ستة أعوام وهي لا تزال تراجع الأطباء منذ أن وُلدت. لسعتها حشرة وظهرت هذه الندبة على وجهها، ولا يستطيع الأطباء علاجها."

أبو أحمد وابنته سلمى، بيت لاهيا. تصوير: برنامج الأمم المتحدة الإنمائي

وتتفاقم المخاطر المحدقة بالصحة العامة، والتي تهدد عمال جمع النفايات والناس الذين يسكنون بالقرب من المكبات العشوائية، بفعل ممارسة طمر النفايات الطبية الخطيرة والملوثة بأمراض معدية، إلى جانب النفايات المنزلية. ومن الفئات المعرضة لهذا الخطر بوجه خاص جامعو النفايات (وهم أطفال في الغالب) الذين يجمعون "الأشياء الثمينة"، كالمعادن والبلاستيك والأجهزة الإلكترونية التالفة وقطع الأثاث من حاويات القمامة في الشوارع، ومواقع النقل المفتوحة في المدن ومكبات النفايات العشوائية.

ووفقًا لدراسة شاملة نشرها برنامج الأمم المتحدة للبيئة في شهر حزيران/يونيو 2020، يسهم تحلُّل النفايات الصلبة التي لا يجري التخلص منها بأمان في تدهور جودة المياه الجوفية.[5]

معالجة الأولويات الأكثر إلحاحًا

يُتوقع أن يصل تعداد سكان قطاع غزة إلى 3.2 مليون نسمة بحلول العام 2040، وأن ينتجوا كمية يومية تقارب 3,400 طن من النفايات المنزلية، و1,200 طن من النفايات الزراعية و300 طن من النفايات التجارية ونفايات الأسواق.[6] وتسلط هذه التوقعات الضوء على التحديات الهائلة التي تواجه قطاع إدارة النفايات الصلبة في غزة، وليس ذلك بسبب شح الموارد المالية فحسب، بل بسبب محدودية مساحة الأراضي المتاحة كذلك.[7]

وعلى المدى المتوسط، يتمثل أكثر التحديات الملحّة في ضمان التعامل مع النفايات الملوثة بأمراض معدية ومعالجتها على الوجه المناسب، للحيلولة دون احتمال انتشار فيروس كورونا. ولا تُعَدّ الممارسة الحالية التي تنطوي على رش مادة الكلور على أكياس القمامة قبل نقلها إلى المكبات فعالة ولا يوصى بها. 

وبعد دراسة بدائل مختلفة، يميل برنامج الأمم المتحدة إلى اعتماد جهاز متخصص يعمل بالموجات الدقيقة باعتباره الطريقة الرئيسية في معالجة النفايات الملوثة بأمراض معدية. وعقب التشاور مع وزارة الصحة وسلطة جودة البيئة ومنظمة الصحة العالمية، وبدعم مالي من الصندوق الإنساني للأرض الفلسطينية المحتلة،[8] عمل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي على توريد وحدة معالجة بطاقة استيعابية تبلغ 1.5 طن، لتركيبها في مكب جحر الديك. ولكن تأخر تجهيز وثائق الاستيراد المطلوبة بسبب وقف التنسيق بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، مما أدى إلى عوق توريد الجهاز من بلجيكا إلى إسرائيل.

وشملت الأصناف الإضافية التي جرى توريدها وتركيبها في سياق هذا المشروع، وبتمويل من النرويج، جهازين لتقطيع النفايات الصناعية، و12 جهازًا لتعقيم النفايات لصالح مختبرات المستشفيات، وثلاث مركبات لنقل النفايات الملوثة بأمراض معدية. ويتماشى هذا المشروع مع برنامج أطول أمدًا يُعنى بإدارة النفايات الطبية وينفذه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بالشراكة مع حكومة اليابان.

مكب بيت لاهيا، شمال غزة. تصوير: برنامج الأمم المتحدة الإنمائي

وبصرف النظر عن أي حلول تُطرح لمعالجة النفايات الملوثة بأمراض معدية، فإن البلديات ومجلس الخدمات المشترك في حاجة ماسّة إلى الدعم المالي لرفع مستوى جمع النفايات الصلبة والحيلولة دون تراكم المزيد منها في الشوارع. ويجب إغلاق المكبات العشوائية ونقل النفايات إلى المكبات الرسمية، مع إيلاء الأولوية للمكبات الثلاثة الموجودة في شمال غزة. وهذا يستدعي أيضًا تأمين دعم مالي كبير لتوريد المعدات، بما فيها الشاحنات.


[1] WASH Cluster, Rapid COVID-19 Solid Waste management assessment in Gaza Strip, May 2020.

[2] للاطلاع على معلومات محّدثة عن فيروس كورونا، انظر الصفحة المخصصة لمتابعته على الموقع الإلكتروني مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية.

[3] WHO, Waste and human health: Evidence and needs, November 2015, p. 14.

[4] Davis, J.-M., & Garb, Y. “A strong spatial association between e-waste burn sites and childhood lymphoma in the West Bank, Palestine”, International Journal Cancer, 144(3), October 2018.

[5] UNEP, State of Environment and Outlook Report for the occupied Palestinian territory, 2020, p. 14.

[6] UNDP, Feasibility study and detailed design for solid waste management in the Gaza Strip, 2012.

[7] للاطلاع على تحليل وافٍ للوضع الراهن والتحديات المستقبلية، انظر: CESVI, Solid Waste Management in the oPt, September 2019.

[8] يحصل هذا الصندوق على دعم سخي من بلجيكا، والدنمارك، وألمانيا، وأيسلندا، وإيرلندا، وكوريا الجنوبية، والنرويج، والسويد وسويسرا.

النسخة الملزمة للتقرير هي النسخة الإنجليزية