نشرت بتاريخ 22 يونيو 2020
 كجزء من  

يفتقرون إلى الحماية: هجمات المستوطنين ضد الفلسطينيين تشهد ارتفاعًا وسط تفشي فيروس كورونا (كوفيد-19)

في يوم 16 نيسان/أبريل، تعرّض عيسى قطّاش، البالغ من العمر 40 عامًا، وشقيقه للضرب المبرح وأصيبا بجروح على يد مجموعة من المستوطنين الإسرائيليين، بينما كانا في نزهة مع أسرتيهما في منطقة حُرجية خارج قرية جيبيا (شمال رام الله). وقال عيسى: "كان أحد المستوطنين يحمل بندقية وآخر يحمل فأسًا. وتمكّن شقيقي موسى من الهرب لكي يطلب المساعدة... وقد استلقيت على الأرض وأنا مصاب لبعض الوقت، ثم بدأ المستوطنين في جرّي إلى خارج المنطقة... ولكن وصل الجنود الإسرائيليون بعد ذلك وأطلقوا سراحي، وتركوا المستوطنين يذهبون في حال سبيلهم." وأضافت فاطمة قطاش التي شهدت الحادثة، وهي والدة عيسى وتبلغ من العمر 70 عامًا: أُصِبنا كلنا بالصدمة وانتابنا الخوف... ولا يزال الأطفال تراودهم الكوابيس!"

موسى قطاش بعد تعرضه لاعتداء جسديواستطرد عيسى القول: "أخبرني الطبيب الذي فحصني في المستشفى برام الله أن عصبًا في ذراعي تضرّر نتيجةً لتعرُّضي للضرب وأنني في حاجة إلى عملية جراحية، ولكن جرى تعليق العمليات الجراحية بسبب الإغلاق الناجم عن تفشي وباء كورونا [...] وقد أرسلنا طاقم المستشفى إلى أحد مراكز الحجر لمدة خمسة أيام لأننا خالطنا المستوطنين، ثم خضعنا للحجر لمدة عشرة أيام أخرى في المنزل."

وخلال الأشهر الخمسة الأولى من العام 2020، وثّق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية 143 هجمة عُزيت إلى المستوطنين الإسرائيليين، وتسبّبت في إصابة فلسطينيين بجروح (38 حادثة) أو إلحاق أضرار بممتلكاتهم (105 حوادث).[1] وأسفرت هذه الحوادث عن إصابة 63 فلسطينيًا، بمن فيهم 13 طفلًا، بجروح وإلحاق الأضرار بما يزيد عن 3,700 شجرة وشتلة، ومحاصيل حقلية متنوعة، وأكثر من 100 مركبة، من جملة أصول أخرى. 

وسُجّل نحو 55 بالمائة من مجموع هذه الحوادث خلال هذه الفترة (79 من أصل 143 حادثة) خلال شهريْ آذار/مارس ونيسان/أبريل بالتزامن مع تفشي وباء كورونا. وأدت هذه الحوادث إلى تفاقم معاناة التجمعات السكانية الضعيفة في الأصل، والتي تضررت بفعل القيود المفروضة على الوصول وتدابير التباعد الاجتماعي التي فرضتها السلطات الفلسطينية والإسرائيلية من أجل احتواء الوباء.وفي المتوسط الشهري، يتساوى عدد الحوادث التي وقعت حتى الآن من العام 2020 مع عددها طيلة العام 2019 (28 حادثة)، بيد أنه يزيد بشوط بعيد عن الأرقام المقابلة التي سُجلت بين العامين 2015 و2018 (انظر الرسم البياني).

عنف المستوطنين الذي أسفر عن وقوع إصابات أو إلحاق أضرار بالممتلكات

وخلال الفترة نفسها، أشارت منظمة غير حكومية إسرائيلية إلى 212 حادثة ألقى فيها فلسطينيون الحجارة (90 بالمائة) أو الزجاجات الحارقة (10 بالمائة) على المركبات التي تحمل لوحات تسجيل إسرائيلية في أثناء سيرها على طرق الضفة الغربية، مما أدى إلى إصابة 21 إسرائيليًا بجروح طفيفة وإلحاق الأضرار بأكثر من 200 مركبة.[2] ووقعت غالبية الهجمات الفلسطينية (118) خلال شهريْ كانون الثاني/يناير وشباط/فبراير، ولوحظ تراجعها بين شهريْ آذار/مارس وأيار/مايو. 

البؤر الساخنة التي تشهد عنف المستوطنين

شُكِّلت بؤرة استيطانية أقيمت قبل نحو عامين كمزرعة أبقار شرق مستوطنة حَلَميش (رام الله) إحدى البؤر الساخنة خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام 2020. فقد أفاد السكان القاطنون في ثلاث قرّى فلسطينية قريبة منها (وهي جيبيا وكوبر وأم صفا) بأن هذه المستوطنة تُعَدّ مصدرًا للترويع والعنف المنتظم، الذي شهد تزايدًا خلال العام المنصرم. 

وفضلًا عن الحادثة التي طالت الشقيقين قطاش قرب جيبيا، اعتدى ثلاثة مستوطنين مسلحين، أشارت التقارير إلى أنهم يقيمون في هذه المستوطنة، جسديًا على شقيقين فلسطينيين من قرية كوبر وأصابوهما بجروح، بينما كانا يحرثان أرضهما. وبعد ذلك، كبّل المستوطنون أيدي هذين الفلسطينيين واقتادوهما إلى المستوطنة بالقوة، حيث احتجزوهما لبضع ساعات إلى أن وصل الجنود وأطلقوا سراحهما.

وصرّح ناجي طناطرة (49 عامًا) لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية:

ناجي طناطرة في سيارة الإسعاف التي أقلته الى المستشفى"في يوم 24 آذار/مارس، كنت في المنزل عندما اتصل بها أحد جيراني وقال إن المستوطنين كانوا يرعون أبقارهم في أرضي. فهُرعت إلى هناك لأحمي أشجار الزيتون التي أملكها ووجدت نفسي محاطًا بأربعة مستوطنين، ضربني أحدهم على رأسي وظهري بفأس وفقدتُ وعيي. وأدى هذا الهجوم إلى كسر في جمجمتي. كان من الممكن أن أموت لولا أهل القرية الذين وصلوا على جناح السرعة واتصلوا بالإسعاف. ومع أن الأطباء في المستشفى لم يوافقوا على خروجي من المستشفى، فقد غادرته بعد أربعة أيام لأنني كنت خائفًا من فيروس كورونا... وقد حان موسم الحراثة الآن، ولكن لا يجرؤ أحد على الاعتناء بأرضه القريبة من المستوطنة."  

ومن ناحية الأضرار التي لحقت بالممتلكات الزراعية، سُجلت أكثر الحوادث تأثيرًا في منطقة مستوطنة غوش عتصيون، غرب بيت لحم، وبالقرب من بؤرة عادي عاد الاستيطانية، شمال شرق رام الله، حيث يقع ما يربو على 60 بالمائة مما مجموعه 3,700 شجرة أتلفها المستوطنون بين شهريْ كانون الثاني/يناير وأيار/مايو في هاتين المنطقتين. وكان المزارعون من قرية الخضر الأكثر تضررًا في المنطقة الأولى، بينما تحمّل سكان قريتيْ المغيّر وتُرمسعيّا العبء الأكبر في المنطقة الأخرى. وعلى الرغم من أن مستوطنة عادي عاد أُنشئت دون تصريح إسرائيلي رسمي وأقيمَ جزء منها على أراضٍ يملكها الفلسطينيون ملكية خاصة، تعمل السلطات في هذه الآونة على ’ تسويتها‘.[3]

وتشكّل المنطقة الاستيطانية في مدينة الخليل، حيث يكابد نحو 7,000 فلسطيني الأضرار بفعل القيود المفروضة على الوصول منذ أمد بعيد (والتي لا علاقة لها بالوباء)، بؤرة ساخنة إضافية، حيث وقعت فيها 18 هجمة من الهجمات التي سُجلت بين شهريْ كانون الثاني/يناير وأيار/مايو 2020. ومثّلت هذه الحوادث استمرارًا لتزايد وتيرة عنف المستوطنين الذي ما زال يسجَّل منذ مطلع العام 2019 بعد مغادرة بعثة التواجد الدولي المؤقت.[4]

وشملت البؤر الساخنة الأخرى مستوطنة يتسهار والبؤر الاستيطانية المحيطة بها في نابلس، حيث سُجلت 22 حادثة ألحقت الأضرار بسكان خمس قرًى؛[5] ومستوطنة حومش (في نابلس أيضًا)، والتي أُخليت في العام 2005 وعاود المستوطنون السكن فيها في الأعوام الأخيرة، حيث كانت مصدرًا لسبع هجمات طالت سكان قرية بورين؛ وبؤرة حفات ماعون الاستيطانية جنوب الخليل، حيث سُجلت ست هجمات انطلقت منها وألحقت الأضرار بسكان قرية التواني.

مناخ يسوده الإفلات من العقاب

تشكّل المستوطنات المُقامة في الأرض الفلسطينية المحتلة بصورة تخالف للقانون الدولي مصدرًا رئيسيًا لحالة الضعف التي تنتاب الفلسطينيين، حيث تحرمهم من ممتلكاتهم وسُبل عيشهم، وتفضي إلى فرض القيود على الوصول وتفرز طائفة من التهديدات التي تعتري الحماية الواجبة لهم، بما تشمله من الهجمات العنيفة، كتلك التي تتناولها هذه المقالة. 

وتتفاقم هذه الظاهرة بفعل الثغرات الطويلة الأمد التي تشوب إنفاذ القانون من قبل السلطات الإسرائيلية على المستوطنين العنيفين، حيث أفرزت "مناخًا سائدًا من الإفلات من العقاب"، حسبما ورد على لسان الأمين العام للأمم المتحدة.[6]

وأشارت وزارة العدل الإسرائيلية، في تقرير نشرته في العام 2019، إلى أن "السلطات الإسرائيلية بذلت في غضون الأعوام القليلة الماضية جهودًا معتبرة على صعيد الارتقاء بإنفاذ القانون في الضفة الغربية، حيث أفضت إلى تراجع ملحوظ في الجرائم المرتكبة على أساس أيديولوجي [...][7]

وعلى الرغم من هذه الجهود، التي شملت "تشكيل فرق عمل خاصة، وزيادة الأموال المرصودة وإضافة عناصر إلى القوة العاملة المهنية"،[8] تشير أعمال الرصد التي نفذها مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إلى أن عنف المستوطنين لا يزال يشهد ارتفاعًا مستمرًا منذ العام 2016 (انظر الرسم البياني أعلاه). 

وفضلًا عن ذلك، ووفقًا لتقرير وزارة العدل الإسرائيلية، "فتح "لواء يهودا والسامرة" في الشرطة الإسرائيلية، والذي يتولى المسؤولية عن التحقيق في الجرائم التي يرتكبها المستوطنون الإسرائيليون بحق الفلسطينيين في الضفة الغربية (باستثناء القدس الشرقية) ما مجموعه 118 تحقيقًا بشأن هذه الجرائم بين شهريْ كانون الثاني/يناير 2017 وتموز/يوليو 2019. وقد أُغلق 69 تحقيقًا من هذه التحقيقات لأسباب مختلفة، ولا يزال 38 تحقيقًا آخر مفتوحًا، واختُتم 11 تحقيقًا بتوجيه لوائح الاتهام إلى المشتبه بهم.[9]

ووفقًا لتقرير نشرته منظمة "يش دين"، وهي منظمة إسرائيلية تُعنى بحقوق الإنسان، فمن بين 273 ملف من ملفات التحقيق التي فتحتها الشرطة ورصدتها المنظمة بين العامين 2014 و2019 وبلغت مراحلها النهائية، لم يُفضِ سوى 25، أو 9 بالمائة، منها إلى ملاحقة مرتكبي أعمال العنف، بينما أُغلقت الملفات الـ248 الأخرى دون توجيه لوائح اتهام لأحد. ومن بين هذه الملفات الأخيرة، أُغلق أكثر من 70 بالمائة منها نظرًا "لعدم معرفة مرتكبي أعمال العنف" أو "عدم كفاية الأدلة"، "مما يشير إلى أن الشرطة خلصت إلى أن جريمة ارتُكبت، ولكنها عجزت عن تحديد مرتكبيها أو جمع ما يكفي من الأدلة لملاحقتهم. [10]

ومع أن الإحصائيات الصادرة عن منظمة "يش دين" ووزارة العدل تفتقر إلى التماثل فيما بينها بسبب اختلاف المنهجيات التي تستخدمانها، فكلاهما يشير إلى وجود ثغرات خطيرة في إخضاع مرتكبي أعمال العنف بحق الفلسطينيين للمساءلة.

كما تُبَين الأدلة المروية بأن الفلسطينيين من ضحايا عنف المستوطنين يختارون الإِحجام عن رفع الشكاوى. ويرجع السبب الرئيسي وراء ذلك إلى انعدام ثقة هؤلاء في الجهاز القضائي الإسرائيلي، وما يقترن بذلك من تردّدهم في الذهاب إلى مراكز الشرطة الإسرائيلية التي يقع معظمها داخل المستوطنات، وخوفهم من الآثار السلبية التي يخلّفها ذلك عليهم. ولذلك، فمن المعقول أن الأرقام المذكورة أعلاه لا تعكس سوى جانب من غياب المساءلة.

وتقع إسرائيل، بصفتها السلطة القائمة بالاحتلال، تحت التزام يملي عليها حماية السكان الفلسطينيين في الضفة الغربية من جميع أعمال العنف او التهديد بها. وهذا يفرض على السلطات الإسرائيلية أن تفعل المزيد لكي تمنع هجمات المستوطنين الإسرائيليين وأن تنفذ التدخلات الفعالة لوقفها في الوقت المناسب. ويتعين على هذه السلطات، حال وقوع الهجمات، أن تعزز جهودها لضمان محاسبة مرتكبي أعمال العنف، بما يشمله ذلك من رفع العقبات التي تثني الفلسطينيين عن رفع شكاواهم والارتقاء بفعالية التحقيقات.


[1] لا تندرج هجمات المستوطنين التي لم تسفر عن وقوع إصابات أو أضرار بالممتلكات ضمن هذه الأرقام.

[2] جمعت هذه المعلومات منظمة ’منقذون بلا حدود" (Rescuers without Borders) ونشرتها على منصات التواصل الاجتماعي، ولم يتحقق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية منها.

[3] لا يزال التماس رفعه فلسطينيون ومنظمة إسرائيلية معنية بحقوق الإنسان إلى محكمة العدل الإسرائيلية لوقف هذه الإجراءات قيد النظر أمام المحكمة (محكمة العدل العليا، الدعوى رقم 825/19، رئيس مجلس قروي ترمسعيا وآخرون ضد وزير الدفاع وآخرين).

[4] أنهت إسرائيل وجود بعثة التواجد الدولي المؤقت من جانب واحد. وكانت هذه البعثة هي المنظمة الوحيدة التي تتولى توثيق الأحداث والتواجد من أجل تأمين الحماية، وكانت مخوَّلة بالوصول إلى أي ناحية في مدينة الخليل سيرًا على الأقدام وعلى متن المركبات. وكانت البعثة تملك قنوات مباشرة لمعالجة الحوادث والشواغل الطارئة مع السلطات المختصة. وقد فرضت مغادرة هذه البعثة ضغطًا متزايدًا على المنظمات الأخرى التي تؤمّن التواجد الوقائي في المنطقة الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية بالمدينة، مما اضطرها إلى الانسحاب منها أو تقليص وجودها فيها. وللاطّلاع على المزيد من التفاصيل حول الوضع في المنطقة الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية في مدينة الخليل خلال العام 2019، انظر، مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، الحرمان من الكرامة: الحياة في المنطقة الاستيطانية في مدينة الخليل، شباط/فبراير 2020.

[5] وهذه القرى هي بورين ومادما وعصيرة القبلية وعوريف وعينابوس وحوارة.

[6] تقرير الأمين العام، المستوطنات الإسرائيلية في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، والجولان السوري المحتل، 20 أيلول/سبتمبر 2019، الفقرة 27.

[7] State of Israel, Ministry of Justice, Israel’s Investigation and Prosecution of Ideologically Motivated Offences Against Palestinians in the West Bank, August 2019, p. 1.

[8] المصدر السابق.

[9] المصدر السابق، ص. 8-9.

[10] Yesh Din, Law enforcement on Israeli civilians in the West Bank, December 2019.

النسخة الملزمة للتقرير هي النسخة الإنجليزية