نشرت بتاريخ 10 ديسمبر 2020

أسرة فلسطينية تُخلى من منزلها في القدس الشرقية

أمرت المحاكم الإسرائيلية، في عدد من الأحكام المنفصلة التي صدرت عنها خلال الأشهر القليلة الماضية، بإخلاء عدد كبير من الأُسر الفلسطينية من منازلها في حيّيْ الشيخ جراح وسلوان بالقدس الشرقية وتسليم عقاراتهم للمنظمات الاستيطانية الإسرائيلية. (انظر الأحكام الصادرة مؤخرًا بشأن الإخلاء في القدس الشرقية أدناه).

وبالنسبة لعزات صلاح، الذي يبلغ 82 عامًا من عمره، يعني الإخلاء فقدان منزله الذي عاش فيه ما يربو على 50 عامًا، وربّى فيه أبناءه العشرة.

السيد صلاح أمام منزله الذي أخلي منه. تصوير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية

ففي يوم 14 أيلول/سبتمبر 2020، وعقب خمس سنوات من الدعاوى القضائية، أصدرت المحكمة العليا الإسرائيلية قرارًا نهائيًا يقضي بإخلاء السيد صلاح وأسرته من المنزل الذي كان يستأجره في منطقة عين حلوة بحي سلوان في القدس الشرقية. وبموجب هذا القرار، كان ينبغي إخلاء المنزل بحلول يوم 5 تشرين الثاني/نوفمبر 2020. وعقب صدور الحكم، غادرت كِنّة السيد صلاح، وهي أرملة ابنٍ متوفى من أبنائه، وأبناؤها الستة المنزل. وبقي السيد صلاح في المنزل بضعة أيام قبل تاريخ الإخلاء، حيث غادره كذلك.

وأفضى هذا الإخلاء به إلى مغادرة الحي الذي ترعرع فيه وفقدان تواصله اليومي مع أسرته وأصدقائه. «لك أن ترى مدى الاكتظاظ في سلوان، لأنه يستحيل علينا أن نحصل على رخص البناء. وحتى لو وجدتُ مكانًا هنا، فكيف يتسنى لي أن أتحمّل الإيجار؟ وعلاوةً على ذلك، ففي ظل النشاط الاستيطاني الذي لا تهدأ وتيرته في سلوان، تساور الناس الشكوك حيال تأجير منازلهم.»

وتسبّب عمليات الإخلاء القسري آثارًا مادية واجتماعية واقتصادية ونفسية فادحة للأُسر الفلسطينية المتضررة. فبالإضافة إلى حرمان الأسرة من منزلها – الذي يُعَدّ أحد أصولها الرئيسية ومصدر أمنها المادي والاقتصادي – غالبًا ما تؤدي عمليات الإخلاء إلى تعطيل سُبل عيشها وزيادة فقرها. وتشير تقديرات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إلى أن ما لا يقل عن 970 فلسطينيًا معرضون لخطر الإخلاء القسري في القدس الشرقية، بسبب الدعاوى المرفوعة ضدهم أمام المحاكم الإسرائيلية، ولا سيما من جانب الجماعات الاستيطانية الإسرائيلية. (انظر الإطار، القدس الشرقية: فلسطينيون معرضون لخطر الإخلاء والخريطة المرفقة أدناه). 

وهذا الأمر ناجم عن إنفاذ التشريعات الإسرائيلية في الأرض المحتلة، بما تشمله من قوانين محددة تيسر الاستيلاء على الممتلكات لغايات إقامة المستوطنات الإسرائيلية. فحسبما ورد في تقرير صدر مؤخرًا عن الأمين العام للأمم المتحدة، تقع السلطات الإسرائيلية تحت واجب «الوقف الفوري والكامل لجميع الأنشطة الاستيطانية في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية»، ومراجعة تطبيق بعض القوانين الإسرائيلية «التي استُخدمت أساسَا لطرد الفلسطينيين من ممتلكاتهم في القدس الشرقية» و«التوقف عن تنفيذ عمليات الهدم والإخلاء القسري».[1]

حي سلوان، القدس الشرقية، 13 تشرين الأول/أكتوبر 2020. تصوير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية

الأنشطة الاستيطانية في الأحياء الفلسطينية

لقد صدر القرار بإخلاء عائلة صلاح لصالح جمعية إلعاد، وهي منظمة استيطانية إسرائيلية تُعرف باسم جمعية مدينة داود أيضًا. وقد وظفت هذه الجمعية، التي تلقى التمكين من السلطات الإسرائيلية، النظام القانوني الإسرائيلي للاستيلاء على عدد من الممتلكات الفلسطينية في سلوان وإقامة مجمعات فيها. وكما هو الحال مع أسرة صلاح، لم يكن النجاح من نصيب الطُعون التي رُفعت في غالبية القضايا أمام المحاكم الإسرائيلية.[2]

وتُعَدّ سلوان موضعًا تستهدفه الأنشطة الاستيطانية المتكررة التي تنفذها الحكومة الإسرائيلية والمنظمات الاستيطانية الدينية بسبب موقعها الإستراتيجي والادعاءات بشأن ارتباطها بمدينة داود.[3] وفضلًا عن الاستيلاء على البنايات، تشمل الأنشطة الاستيطانية التي يشهدها الحي أعمال التنقيب عن الآثار وتشغيل متنزه مدينة داود الوطني ومركز الزوار. وقد عهدت دولة إسرائيل إلى جمعية إلعاد بإدارة هذه المواقع العامة.

وتشكّل هذه التطورات جانبًا من التوسع الاستيطاني الأعمّ داخل المناطق السكنية الفلسطينية فيما يسمى منطقة «الحوض المقدس» في القدس الشرقية. فإلى جانب سلوان، تضم هذه المنطقة الحيَّيْن الإسلامي والمسيحي في البلدة القديمة، وسلوان، والشيخ جراح، والطور (جبل الزيتون)، ووادي الجوز وراس العامود. ويقيم المستوطنون في منازل استولوا عليها من خلال قانون أملاك الغائبين، وعلى أساس الادعاء بأن اليهود كانوا يملكونها في السابق، وفي بنايات وأراضٍ اشتروها من مُلّاكها الفلسطينيين، وفي أبنية شيدتها المنظمات الاستيطانية ومولتها خصيصًا لهذه الغاية.

ومن جملة الآثار التي تفرزها الأنشطة الاستيطانية على مناطق فلسطينية، من قبيل سلوان، فرض قيود على المساحات العامة والتوسع السكني وحرية التنقل، ناهيك عن زيادة المشاحنات والعنف. وفي أسوأ الحالات – في سلوان والبلدة القديمة والشيخ جراح – أفضت مصادرة العقارات على يد المستوطنين بالفلسطينيين إلى فقدان أملاكهم التي كانوا يقيمون فيها منذ فترات طويلة وإخلائهم منها.[4]

القدس الشرقية في القانون الدولي

لا تعترف أسرة المجتمع الدولي بضمّ القدس الشرقية من جانب واحد إلى إقليم إسرائيل عقب حرب العام 1967. فقد قرّرت الأمم المتحدة أنها "لــن تعتــرف بأي تغـييرات في خطـوط الراب من حزيـران/يونيو 1967، بما في ذلك ما يتعلق بالقـدس، سوى التغييرات التي يتفق عليها الطرفان مـن خلال المفاوضات." كما تُعدّ المستوطنات غير قانونية بموجب القانون الدولي.

خمس سنوات من الدعاوى القانونية

تتألف البناية التي تستأجرها أسرة صلاح من قسمين. وقد انتقل السيد صلاح إلى القسم الأول منهما في العام 1968، حيث استأجره من أحد أفراد أسرة محلية كبيرة وأصبح من المستأجرين المحميين بموجب قانون حماية المستأجرين. وانتقل السيد صلاح إلى القسم الثاني من البناية في العام 1993 بعدما كبرت عائلته، حيث استأجره من المالك نفسه ايضًا، بيد أنه لم يكن مستأجرًا محميًا في هذه الحالة. 

وفي العام 2014، عرض المالك الذي كان قد هاجر من البلاد على السيد صلاح مبلغًا قدره 120,000 دولار لإخلاء العقار. وقد أثار هذا الأمر شكوكه، بالنظر إلى أن المبلغ كان يزيد عن قيمة المنزل ولأنه كان من المعروف أن جمعية إلعاد تعمل في الخفاء على شراء الممتلكات الفلسطينية في الحي. وعندما رفضت الأسرة المغادرة، رفع المالك دعوى قضائية عليها. وفي العام 2017، أُخليت الأسرة من القسم الذي لم تكن تتمتع بوضع حماية المستأجرين فيه في البناية. 

وفي أعقاب تلك الدعوى التي رُفعت أمام المحكمة، أبلغ المالك الأسرة بأن البناية بكاملها قد بيعت لجمعية إلعاد، بما يشمل القسم الذي كانت لا تزال تعيش فيه بوصفها من المستأجرين المحميين. وفي المقابل، أقامت الجمعية دعوى قضائية لإخلاء الأسرة من بقية المنزل، كما باشرت العمل على ترميم القسم الذي أُخليت أسرة صلاح منه في البناية، ووضعت حارسًا على المدخل وحاولت منع الأسرة من استخدام الباحة المشتركة في المبنى بشقيه. وتوجهت الأسرة إلى المحكمة وحصلت على أمر قضائي يوقف أعمال الترميم وغيرها من التدابير.

وفي شهر أيلول/سبتمبر 2019، قضت محكمة الصلح في القدس بأنه، وعلى الرغم من أن الأسرة تُعدّ من المستأجرين المحميين في ذلك القسم الذي ما زالت تستأجره في البناية، فإن جمعية إلعاد تملك الحق في طلب إخلائها منه. وهذا يتماشى مع إحدى المواد الواردة في قانون حماية المستأجرين، والتي تجيز إخلاء مستأجر محمي إذا أثبت المالك أنه يحتاج إلى العقار، مع أنه يُشترط عليه أن يجد للمستأجر مسكنًا بديلًا أو أن يقدم التعويض له.[5] وفي حالة أسرة صلاح، شهدت جمعية إلعاد بأن أسرة يهودية كانت تنتظر دخول العقار. وبناءً على ذلك، أصدرت محكمة الصلح حكمًا يقضي بأنه يتعين على السيد صلاح أن يخلي العقار وأن تقدم جمعية إلعاد تعويضًا قدره 360,000 شيكل له. ثم استأنف السيد صلاح هذا الحكم أمام المحكمة العليا، ولكن الحكم الذي صدر في يوم 14 أيلول/سبتمبر استنفد جميع الإجراءات القانونية.

وفيما يتعلق بالتعويض، يقول السيد صلاح: «كان في وسعي أن أعقد تسوية للحصول على المال قبل سنوات، دون أن أمرّ بكل هذه المعاناة النفسية وأتكبد النفقات التي استتبعتها الدعاوى أمام المحاكم، لو كنت أريد ذلك. وفضلًا عن ذلك، تترتب عليّ متأخرات مستحقة عن ضريبة الأملاك وغيرها من المصاريف التي ستُخصم من التعويض. ولا مال يعوضك عن فقدان منزلك وحيّك.»

Mr. Salah with one of his sons, 13 October 2020. Photo by OCHA.

أحكام الإخلاء التي صدرت مؤخرًا في القدس الشرقية

في يوم 4 أيلول/سبتمبر، أصدرت محكمة الصلح في القدس أمر إخلاء بحق أسر الدجاني والداودي وحماد في الشيخ جراح. كما أمرت المحكمة هذه الأسر بدفع رسوم ومصاريف قانونية قدرها 30,000 شيكل. وكان يتعين على الأسر أن تنفذ الأمر حتى يوم 1 آب/أغسطس ومُنحت مهلة مدتها 45 يومًا لاستئناف الأمر.

وفي يوم 8 تشرين الأول/أكتوبر، أصدرت محكمة الصلح في القدس قرارًا يأمر بإخلاء أربع أسر ممتدة أخرى في الشيخ جراح. وبموجب هذا القرار، كان يتعين على عائلات سكافي والكرد وأبو حسنة إخلاء عقاراتها في غضون 30 يومًا، ومُنحت أسرة الجاعوني مهلة حتى يوم 1 كانون الثاني/يناير 2021 للامتثال لهذا الأمر. كما أمرت المحكمة هذه الأسر بدفع مبلغ قدره 70,000 شيكل للمنظمة الاستيطانية، نحلات شمعون الدولية، لقاء المصاريف القانونية التي تكبدتها.

وفي القضيتين المذكورتين أعلاه، استأنفت الأسر قرارات المحكمة، وهو ما يفضي إلى تأخير عمليات الإخلاء.

وفي قضية إخلاء أخرى في الشيخ جراح، رفضت محكمة الصلح في القدس في يوم 4 تشرين الأول/نوفمبر طلبًا لإصدار أمر قضائي مؤقت بشأن أمر بإخلاء أسرة الصباغ، وأُمرت الأسرة بإخلاء العقار في موعد لا يتجاوز يوم 24 تشرين الأول/نوفمبر 2020. كما وجهت المحكمة أمرًا إلى الأسرة بدفع مبلغ قدره 7,500 شيكل لمنظمة نحلات شمعون الدولية لقاء المصاريف القانونية التي تكبدتها. وتتألف هذه الأسرة من 32 فردًا، بمن فيهم خمسة أطفال. وعلى الرغم من أن محامي الأسرة تمكن من استصدار أمر قضائي مؤقت آخر، فلا يُتوقع أن يؤخر ذلك الإخلاء لفترة طويلة.

وفي سلوان، أمرت محكمة الصلح في القدس، في يوم 7 أيلول/سبتمبر، أسرة صلاح بإخلاء منزلها في منطقة وادي حلوة بسلوان بحلول يوم 5 تشرين الثاني/نوفمبر 2020 (انظر المقالة أعلاه). 

وفي سلوان أيضًا، وفي قضيتين منفصلتين صدر الحكم فيهما في يوميْ 18 و23 تشرين الثاني/نوفمبر، رفضت المحكمة اللوائية في القدس الاستئنافين اللذين رُفعا على إخلاء أسر عودة والشويكي والدويك من حي بطن الهوى. وصدر الأمر لهذه الأسر بدفع مبلغ قدره 20,000 شيكل لجمعية عطيرت كوهانيم عن المصاريف القانونية التي تكبدتها. وينوي المحامون الذين يترافعون في هاتين القضيتين رفع استئنافين أمام المحكمة العليا.

القدس الشرقية: فلسطينيون معرضون لخطر الإخلاء

في عام 2016 ، أجرى مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية عملية مسح أظهرت أن 818 فلسطينيًا معرضون لخطر التهجير بسبب قضايا الإخلاء المرفوعة ضدهم في القدس الشرقية. وكشف مسح مُتابع في عام 2020 أن ما لا يقل عن 218 أسرة فلسطينية لديها قضايا إخلاء مرفوعة ضدهم، معظمها من قبل منظمات المستوطنين، مما يعرض 970 شخصًا، من بينهم 424 طفلًا، لخطر التهجير. تم تحديد غالبية الحالات الجديدة في منطقة بطن الهوى بسلوان، والتي لا تزال تعتبر المجتمع الذي يضم أكبر عدد من الأشخاص المعرضين لخطر النزوح، بسبب حالات الإخلاء المستمرة. بين عامي 2017 و 2020، طردت قرابة 15 أسرة، تضم 62 فلسطينيًا، من منازلها في البلدة القديمة وسلوان والشيخ جراح في القدس الشرقية.


[1] المستوطنات الإسرائيلية في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، والجولان السوري المحتل، تقرير الأمين العام، (A/75/376)، 1 تشرين الأول/أكتوبر 2020، الفقرات 51-55، 66.

[2] في أخر قضية كانت مرفوعة في سلوان قبل قضية عائلة صلاح، أخلت السلطات الإسرائيلية السيدة إلهام حسين صيام وأبناءها البالغين الأربعة من منزلهم الكائن في حيّ وادي حلوة في سلوان بالقدس الشرقية في يوم 10 تموز/يوليو 2019، ووضعت بذلك حدًا لمعركة قانونية استمرت على مدى 25 عامًا. انظر: https://www.ochaopt.org/ar/content/palestinian-family-evicted-silwan-neighbourhood-east-jerusalem-0

[3] كما تضطلع جمعية عطيرت كوهانيم بتنفيذ الأنشطة الاستيطانية في سلوان، وهي نفسها المنظمة التي تمثل رأس الحربة في الاستيلاء على الممتلكات الفلسطينية في الحي الإسلامي بالبلدة القديمة.

[4] انظر: https://www.ochaopt.org/ar/content/humanitarian-impact-settlements-palestinian-neighbourhoods-east-jerusalem-coercive-0.

[5] https://peacenow.org.il/en/the-court-ordered-the-eviction-of-an-elderly-man-from-his-home-in-wadi-hilweh-in-silwan-in-favor-of-elad-settlers

النسخة الملزمة للتقرير هي النسخة الإنجليزية