نشرت بتاريخ 8 يونيو 2020
 كجزء من  

لا تزال القيود المفروضة على الوصول منذ أمد بعيد تقوّض الظروف المعيشية التي يحياها الفلسطينيون في الضفة الغربية

فرضت الحكومات حول العالم قيودًا شاملة على حرية الناس في التنقل من أجل احتواء فيروس كورونا، مما أدى إلى اختلال بالغ في حياتهم. وفي حين لا تُعَدّ الأرض الفلسطينية المحتلة استثناءً، فقد أسهمت التدابير التي فرضتها السلطات الإسرائيلية والفلسطينية معًا في تفاقم القيود التي لا تزال إسرائيل تفرضها على الوصول منذ أمد طويل.

ففي الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، يعمل نظام متعدد المستويات من التدابير المادية والإدارية على تقييد الفلسطينيين في تنقُّلهم وحركتهم. وتتألف هذه التدابير من العوائق المادية، بما فيها الحواجز، والمتطلبات البيروقراطية والإدارية، كاستصدار التصاريح، وتصنيف المناطق باعتبارها إما مقيَّد الوصول إليها أو مغلقة، ومنها "مناطق إطلاق النار". وتعرقل هذه القيود المفروضة على التنقل، وبدرجات متفاوتة، إمكانية الوصول إلى الخدمات والموارد، وتعطّل الحياة الأسرية والاجتماعية، وتقوّض سُبل العيش، وتعوق قدرة المنظمات العاملة في المجال الإنساني على تقديم المساعدات. 

وتبرّر السلطات الإسرائيلية العديد من هذه القيود بوصفها وسيلة لمعالجة المخاوف الأمنية، التي تشمل في الغالب تأمين الحماية للمستوطنات المقامة في جميع أنحاء الضفة الغربية على نحو يخالف القانون الدولي.

وقد عملت السلطات الإسرائيلية، على مدى العقدين المنصرمين، على شق شبكة من الطرق الثانوية المخصصة للفلسطينيين، بما في ذلك 50 نفقًا وطريقًا تحتيًّا، حيث أعادت من خلالها ربط التجمعات السكانية الفلسطينية التي تقطّع العوائق المادية أوصالها ببعضها بعضًا وخففت من الآثار التي تخلّفها بعض القيود المفروضة على التنقل. ومع ذلك، فقد استدعى تطوير هذه الشبكة مصادرة الممتلكات الخاصة والعامة التي تعود للفلسطينيين وتقييد التخطيط المكاني المتاح لهم، في ذات الوقت الذي أسهم فيه في تفتيت الضفة الغربية وتقويض طرق التواصل بين أرجائها.

وتستعرض هذه المقالة النتائج التي خلص إليها مسح أُجري مؤخرًا حول العقبات التي تعوق التنقل وتسلط الضوء على الأثر الذي تفرزه القيود المفروضة على الوصول على أحد التجمعات السكانية الفلسطينية في المنطقة الغربية من رام الله، وعلى المزارعين الذين يملكون أراضٍ عزلها الجدار المقام حول الضفة الغربية. وهذه هي المقالة الأولى من سلسلة مقالات تركّز على الأثر الإنساني للقيود المفروضة على الوصول في الضفة الغربية.

انخفاض عوائق التنقل بما نسبته 16 بالمائة

عكف مكتب الأمم المتحدة، خلال الأعوام الخمسة عشر الماضية، على مسح العوائق المادية التي تؤثر على تنقل الفلسطينيين داخل الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، بهدف الوقوف على تبعاتها الإنسانية وتيسير الاستجابة المنسقة لها.

وقد أُجري آخر مسح شامل في الفترة الواقعة بين شهريْ كانون الثاني/يناير وشباط/فبراير 2020، وأشارت نتائجه إلى انخفاض بلغت نسبته 16 بالمائة في العدد الكلي للعوائق الدائمة الثابتة (الحواجز، والسواتر الترابية، وبوابات الطرق وغيرها) بالمقارنة مع المسح السابق الذي نُفذ في شهر تموز/يوليو 2018، حيث انخفض عددها من 705 عوائق إلى 593 عائقًا.

والتفاصيل حول هذه العوائق، بما تشمله من بيان مقتضب وصورة لكل منها، منشورة على منصة الخرائط التفاعلية على الموقع الإلكتروني لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية.

وجاء الانخفاض الذي قاربت نسبته 70 بالمائة منذ المسح السابق (79 من أصل 112) بسبب ما قام به مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية من إزالة للعوائق التي حددها على أنها ’لا تفرِز أثرًا يُذكر‘ على تنقل الأشخاص من قائمة العوائق، وذلك بناءً على استعراض شامل للبيانات التي جمعها في هذا الخصوص. وهذه العوائق تشمل، في معظم الحالات، عوائق تسدّ الطرق التي جرى شقّ طرق بديلة لها وتماثلها في طولها، أو السواتر الترابية التي جرت تسويتها وتمهيدها وباتت تسمح بمرور المركبات عليها.

وأكّد المسح وجود اتجاه لوحظ على مدى السنوات القليلة الماضية، حيث غدت العوائق الثابتة، من قبيل متاريس الطرق والسواتر الترابية، تُستبدل بعوائق ’مرنة‘، كالحواجز الجزئية وبوابات الطرق التي تظل مفتوحة في معظم الأحوال، ولكن يمكن إغلاقها في أي وقت من الأوقات. وبين الفينة والأخرى، يتمركز أفراد القوات الأمنية على الحواجز الجزئية أو في برج، وليس على الأرض. وقد حدد المسح وجود ما مجموعه 108 من هذه الحواجز، التي ارتفع عددها من 73 حاجزًا في المسح السابق. وخلال العام المنصرم (نيسان/أبريل 2019-آذار/مارس 2020)، وثّق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية 1,064 حالة شهدت تمركُز الجنود الإسرائيليين على الحواجز الجزئية وتنفيذ إجراءات التفتيش عليها.[1] وفضلًا عن ذلك، حدد المسح وجود ما مجموعه 154 بوابة طرق، يمكن فتحها وإغلاقها في أي وقت من الأوقات بناءً على المعايير التي يقررها قادة الجيش الإسرائيلي. وشكّلت الحواجز الجزئية وبوابات الطرق مجتمعةً نحو نصف عدد العوائق التي جرى مسحها.

    

كما يتماشى هذا الاتجاه الذي يشهد استخدام عوائق تتسم بقدر أكبر من ’المرونة‘ مع تكرار نشر حواجز مفاجئة على أساس مؤقت (لا يشملها الإحصاء) على الطرق الرئيسية لعدة ساعات في كل مرة. وعلى مدى الفترة نفسها التي تبلغ 12 شهرًا، نشرت القوات الإسرائيلية ما يزيد عن 1,500 حاجزًا من هذه الحواجز.[2] 

وقد أسفر هذا التحول عن التخفيف من الأثر الذي تخلّفه تلك العوائق على الحياة اليومية للفلسطينيين. وتشكّل هذه العوائق جزءًا من نظام قائم على إحكام السيطرة، حيث يتيح للأشخاص والمركبات التنقل على نحو سلس نسبيًا، في الوقت الذي يحافظ فيه على القدرة على إغلاق منطقة بعينها على وجه السرعة، بناءً على قرار يصدر عن أحد قادة الجيش (انظر الدراسة التي تتناول قرية دير نظام).

ومع ذلك، تَرِد استثناءات ملحوظة على هذا الاتجاه. ففي القدس الشرقية وفي مناطق من الضفة الغربية، حيث يعزل الجدار أراضي الفلسطينيين خلفه، لا تزال السلطات الإسرائيلية تتحكم في الوصول إلى هذه المناطق من خلال الحواجز التي يتمركز عليها الجنود على أساس دائم والمتطلبات الطويلة الأمد التي تشترط على الفلسطينيين استصدار التصاريح للوصول إليها.

كما تنتشر العوائق التي يتمركز عليها الجنود على الدوام في معظم أرجاء المنطقة الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية في الخليل، والتي يعزلها 101 عائق عن بقية أنحاء المدينة (أو 17 بالمائة من مجموع العوائق)، بما فيها 32 حاجزًا. ويخضع سير المركبات الفلسطينية داخل هذه المنطقة لقيود جمة، كما تُفرض القيود على وصول المشاة إلى بعض المناطق فيها، بحيث يقتصر دخولها على سكانها دون غيرهم.[3] وعلى مدى العام المنصرم، خفّفت السلطات الإسرائيلية بعضًا من هذه القيود، بما شمله ذلك من فتح بعض بوابات الطرق، إلى جانب منح تصاريح خاصة، حيث بات في مقدور بضع عشرات من الأسر الوصول إلى منازلهم بسياراتهم.

إغلاق مداخل القرى: حالة دير نظام 

من بين الأهداف المتوخاة من نشر العوائق ’المرنة‘ إغلاق واحد أو أكثر من المداخل الرئيسية المؤدية على التجمعات السكانية، التي يقطنها منفّذو هجمات أو من يُشتبه بهم في تنفيذ هجمات ضد الإسرائيليين، أو تلك التي يتكرر إلقاء الحجارة أو الزجاجات الحارقة منها على المركبات الإسرائيلية. وتتفاوت حالات الإغلاق في حدّتها (حيث تتراوح من فرض الإغلاق الشامل إلى تفتيش المركبات تفتيشًا دقيقًا) وقد يتواصل من بضعة أيام إلى عدد من الأسابيع. ويُضطر السكان إلى اجتياز العوائق سيرًا على الأقدام أو سلوك طرق بديلة.

وقرية دير نظام (التي يبلغ تعداد سكانها 900 نسمة) واحدة من 11 قرية تقع غرب محافظة رام الله على مقربة من مستوطنة حلميش الإسرائيلية. وثمة ثلاثة طرق تؤدي إلى القرية. ويمتد أحد هذه الطرق، الذي يتفرع عن الطريق 450، على طول هذه المستوطنة، ويتطلب ممن يسلكه أن يجتاز حاجزًا، بينما يستدعي الطريقان الآخران المرور عبر بوابة طرق (انظر الخريطة). وغالبًا ما يغلق الجيش الإسرائيلي هذه البوابات بحجة أن أطفالًا من القرية يرشقون سيارات المستوطنين الإسرائيليين الذين يسافرون على طريق 465 بالحجارة. كما تشهد القرية معدلات مرتفعة من عمليات التفتيش والاعتقال، حيث نفذت القوات الإسرائيلية 24 عملية منها في العام 2019 واعتقلت 39 فلسطينيًا، أكثر من نصفهم أطفال.

ويقيم منير حسن التميمي، وهو أب لأربعة أبناء، في قرية النبي صالح المجاورة: "يلتحق ابني الأكبر، محمد الذي يبلغ من العمر 16 عامًا، بالمدرسة الثانوية في دير نظام، التي تقع على بعد كيلومترات قليلة إلى الجنوب من النبي صالح. وهو يذهب في كل صباح برفقة معلم من قريتنا يعلّم في تلك المدرسة. وحتى لو كانت البوابات المنصوبة على الطريق المؤدي إلى تلك القرية مفتوحة، فلا يمكن التكهن بإمكانية الوصول إليها، بالنظر إلى تمركز الجنود عليها في أغلب الأحوال، حيث يخضعون ابني للاستجواب والتفتيش. وهذا يسبّب تأخيرًا لفترات طويلة، حيث تفوت الحصص على محمد. وهو عادةً ما يمشي مسافة تصل إلى أربعة كيلومترات للعودة إلى المنزل، عندما لا يوجد أحد يقلّه في سيارته معه: إنني أقلق عليه عندما يمشي على الطريق ويُضطر إلى المرور عبر البوابة بمفرده."

Road gate controlling access to Deir Nidham, 20 February 2020. Photo by OCHA.وبعدما أطلق فلسطينيون النار واصابوا جنديًا إسرائيليًا بجروح في يوم 6 شباط/فبراير 2020 بجوار مستوطنة أخرى في هذه المنطقة (وهي مستوطنة دولِف)، شهدت قرية دير نظام تشديد القيود المفروضة على الوصول إليها. ففضلًا عن تزايُد وجود الجيش الإسرائيلي على مداخل القرية، تراوحت التدابير من إغلاق إحدى البوابتين أو كليهما معًا لعدة ساعات كل يوم إلى فرض إغلاق تام على هذا التجمع السكاني. ونفذت القوات الإسرائيلية ذلك بإغلاق الحاجز والبوابة معًا وعدم ترك سبيل أمام المشاة للمرور عبر البوابة من خلال تعزيز إغلاقها بوضع ساتر ترابي عليها. كما فرضت القيود على الوصول الى القرى الأخرى التي تقع بجوار قرية دير نظام، مما ألحق الضرر بما يقدَّر عددهم بـ30,00 من سكانها الفلسطينيين.

وفضلًا عن ذلك، تصاعدت عمليات التفتيش والاعتقال على مدى الشهرين الأولين من العام 2020، حيث سُجلت 14 عملية منها، وهو عدد يزيد عن نصف ما نُفذ من عمليات خلال العام 2019 كله.

ويضيف منير التميمي القول: "منذ مطلع هذا العام، لم يبرح محمد البيت لمدة شهر تقريبًا لأن دير نظام أُغلقت بالكامل. وقد حاولت أن أؤمّن مدرّسين خصوصيين له، ولكنني لا أستطيع تحمُّل ذلك." 

وإلى جانب الطلبة والمدرسين الذين يحضرون يوميًا من القرى المجاورة، يتسبب إغلاق البوابات في تعطيل قدرة سكان دير نظام على الوصول إلى الخدمات الصحية وسبل عيشهم، ويخلّف هذا الإغلاق أثرًا غير متكافئ على الأطفال وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة. كما تلحق الأضرار بالمحلات التجارية ومشاريع الأعمال التي تشكّل مصدر الدخل الرئيسي لأبناء هذا التجمع السكاني بفعل تحويل حركة مرور الفلسطينيين عن القرية بعمومها. كما تتضرر حياة الأسر بسبب طابع حالات الإغلاق التي لا يمكن التكهن بها، مما يثني الزوار عن القدوم إلى هذا التجمع.

لا يزال الجدار العائق المادي الرئيسي أمام تنقل الفلسطينيين في الضفة الغربية

لا يشمل مسح العوائق المادية الذي أجراه مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية القيود المرتبطة بالجدار، الذي لا يزال يشكّل العقبة الرئيسية التي تحول دون تنقل الفلسطينيين داخل الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية. ويتعين على معظم المزارعين الفلسطينيين أن يحصلوا على تصاريح خاصة من السلطات الإسرائيلية لكي يتسنى لهم الوصول إلى أراضيهم الزراعية في المنطقة الواقعة بين الجدار والخط الأخضر، أو "منطقة التماس". كما يسري هذا الشرط على أفراد أُسر المزارعين وعلى العمال في القطاع الزراعي.[4] وقد شهدت الأعوام القليلة المنصرمة تراجعًا ملحوظًا في معدلات إصدار هذه التصاريح. وفي الوقت نفسه، تضع الأنظمة الدائمة الجديدة، التي صدرت في شهر أيلول/سبتمبر 2019، حدًا لعدد الأيام التي يستطيع المزارعون فيها الوصول إلى أراضيهم في السنة، وذلك بناءً على مساحة قطعة الأرض التي يملكها الواحد منهم وطبيعة محصوله.[5]

ويتعيّن على المزارعين، في حال منحهم التصاريح، أن يمرّوا عبر بوابات معينة. فخلال موسم قطف الزيتون في العام 2019، جرى تخصيص 74 بوابة وخمسة حواجز للوصول إلى الأراضي الزراعية. ومن بين هذه البوابات والحواجز، لم يُفتح سوى 11 بوابة وحاجزًا على أساس يومي، وعشرة لمدة يوم أو بضعة أيام في الأسبوع وخلال موسم قطف الزيتون. أما غالبية البوابات، وهي 53 بوابة، فلم تُفتح إلا خلال هذا الموسم.

ومؤخرًا، ونتيجةً للتدابير الجديدة التي اتُّخذت في سياق حالة الطوارئ الناجمة عن فيروس كورونا، فُرضت قيود إضافية على وصول الفلسطينيين إلى أراضيهم الواقعة خلف الجدار. وتشير التقارير الميدانية إلى أن السلطات الإسرائيلية علّقت معظم التصاريح التي كانت سارية في محافظات جنين وطولكرم وقلقيلية وسلفيت. وتستحوذ هذه المحافظات على نصيب الأسد من الإنتاج الزراعي الفلسطيني في ’منطقة التماس‘ بفضل زراعة المحاصيل والحبوب، إلى جانب أشجار الزيتون، وبسبب طبيعة الجدار الذي يتغلغل في هذه المنطقة بصفة خاصة. ففي يوم 4 أيار/مايو، بعث مركز الدفاع عن الفرد (هموكيد)، وهو منظمة إسرائيلية تُعنى بحقوق الإنسان، رسالة إلى رئيس الإدارة المدنية، طالب فيها بأن يفصح الجيش عن سياسته الرسمية بشأن الوصول إلى ’منطقة التماس‘ خلال الأزمة الناجمة عن تفشي فيروس كورونا، وإعادة تفعيل التصاريح على الفور في حال كانت مجمدة، وإعادة فتح جميع البوابات التي أُغلقت بصورة تعسفية.[6]

ومنذ مطلع شهر أيار/مايو، سُمح للمزارعين الفلسطينيين الذين يملكون أراضٍ في ’منطقة التماس‘ في محافظة قلقيلية باستعادة إمكانية الوصول إلى أراضيهم. ومع ذلك، لا يزال الوصول مقيدًا في محافظات جنين وطولكرم وسلفيت بسبب استمرار إلغاء التصاريح وعدم فتح البوابات الزراعية.

قصة شخصية: "لم أتمكن من زراعة محصولي من التبغ لأنني لم أحصل على تصاريح لعمالي"

تيسير عمارنةتضمّن عدد النشرة الإنسانية الذي غطى شهريْ كانون الثاني/يناير وشباط/فبراير مقالة عن تيسير عمارنة، وهو مزارع يملك 230 دونمًا من الأراضي في عكابة (التي يقطنها 345 نسمة). وعكابة قرية من قرى طولكرم، ويقع ما نسبته 88 بالمائة من أراضيها البالغة مساحتها 2,200 دونم داخل ’منطقة التماس‘.[9] وخلال الفترة الممتدة بين يوميْ 22 آذار/مارس و20 نيسان/أبريل 2020، حينما كانت تدابير حالة الطوارئ الناجمة عن أزمة فيروس كورونا في أوجها، جرى تعليق جميع التصاريح التي كانت سارية المفعول، والتي يقدَّر عددها بـ70 تصريحًا، باستثناء تصريح تيسير. وفي يوم 21 نيسان/أبريل، أعيدَ إصدار التصاريح لخمسة مزارعين آخرين لمدة شهر واحد فقط، حتى يوم 20 أيار/مايو.

ووفقًا لتيسير، "مع أنني كنت الشخص الوحيد الذي حالفه الحظ في عكابة حينما حصلت على تصريح طيلة ذلك الشهر، فلم أتمكن من حصاد محصول التبغ الذي زرعته لأنني لم أستطع الحصول على تصريح لعمالي. والوضع يبعث على الإحباط، خصوصًا لأن العمال الفلسطينيين يتسللون جيئةً وذهابًا من خلال فتحات في الجدار. فهناك ما لا يقل عن خمس من هذه الفتحات في عكابة. وفي الوقت نفسه، فنحن لا نستطيع الحصول على التصاريح لأنفسنا أو لأُسرنا أو لعمالنا كي يتسنى لنا أن نذهب إلى أراضينا في الضفة الغربية! وحتى قبل هذه القيود الجديدة، لم يتمكن عدد كبير من المزارعين في عكابة من الحصول على تصاريحهم خلال هذا العام، منذ أن بدأوا [الإسرائيليون] بربط التصاريح بحجم قطعة الأرض، ثم حددوا عدد مرات الدخول لكل تصريح."

وفي نهاية المطاف، استأجرتُ عمالًا جدد ودفعت لهم ضعف الأجر العادي. وهذه هي الطريقة الوحيدة التي مكّنتني من إنقاذ ما زرعته من محصول التبغ. ولم يحالف الحظ الآخرين. أعرف أربعة مزارعين لم يحصلوا على تصاريح بسبب القيود الجديدة وخسروا محصولهم من البصل، الذي تساوي قيمته نحو 2,000 شيكل لكل دونم."

الطريق إلى الأمام

بموجب القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، تقع إسرائيل تحت التزام يملي عليها تيسير حرية الفلسطينيين في التنقل في جميع أنحاء الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، وتمكينهم من ممارسة كامل طائفة حقوق الإنسان التي تتوقف على هذه الحرية، ولا سيما الحق في الصحة والحق في التعليم والحق في مستوى معيشي لائق. ولا يُعترف بالاستثناءات الواردة على هذا الالتزام إلاّ لأسباب أمنية قاهرة أو لأسباب تتعلق بالصحة العامة، كما هو الحال في ظل الجائحة الراهنة. وفضلًا عن ذلك، لا يجوز أن تنطوي هذه الاستثناءات على التمييز القائم على أسس محظورة أو أن تسبّب ضررًا فادحًا بحقوق الإنسان الأخرى أو تشكل عقابًا جماعيًا.[7]

وحسبما ورد توثيقه في المسح الذي أجراه مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، فقد خففت السلطات الإسرائيلية خلال العام الماضي بعضًا من القيود التي تفرضها على حرية الفلسطينيين في التنقل، بطرق منها إزالة بعض العوائق المادية واستبدال العوائق "الثابتة" بعوائق "مرنة" يمكن الإبقاء عليها مفتوحة. ومع ذلك، يتعين على السلطات الإسرائيلية أن تفعل المزيد لضمان إزالة العوائق القائمة، التي لا تستوفي الشروط التي يقررها القانون الدولي، أو فتحها.

وعلى وجه الخصوص، يتعين على السلطات الإسرائيلية أن تتجنب إغلاق قرًى فلسطينية بأكملها عقب الهجمات التي تستهدف الإسرائيليين، ما لم تستدعِ أسباب عسكرية ذلك حتمًا. فحسب التأكيد الذي ورد على لسان الأمين العام للأمم المتحدة، في العام 2017، "قد يبلغ" هذا التدبير "حد العقاب الجماعي" الذي يفرض القانون الدولي حظرًا مطلقًا عليه.[8]

وأخيرًا، فحسبما قررته محكمة العدل الدولية في فتواها الصادرة في العام 2004، يجب على إسرائيل أن تفكّك مقاطع الجدار التي تتغلغل داخل الضفة الغربية، بمـا فيها القـدس الشـرقية. ويجب عليها، في الوقت نفسه، أن تلغـي نظام البوابات والتصاريح المرتبط به بغية السماح للفلسطينيين بالوصول إلى أراضيهم الواقعة في ’منطقة التماس‘ بحرية.

 


[1] على الرغم من أن هذا العدد يستند إلى المعلومات التي قدمتها شبكة واسعة من المبلّغين الرئيسيين، يُعتقد بأنه تقدير يقلّ عن العدد الفعلي لهذه الحواجز.

[2] المصدر السابق.

[3] للاطّلاع على نظرة عامة على الوضع في المنطقة الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية في مدينة الخليل، انظر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، "الحرمان من الكرامة: الحياة في المنطقة الاستيطانية في مدينة الخليل،" نشرة الشؤون الإنسانية، كانون الثاني/يناير-شباط/فبراير 2020.

[4] في بعض المناطق، يستطيع الفلسطينيون الوصول إلى المنطقة المغلقة على أساس الموافقة المسبقة التي تصدر عن السلطات الإسرائيلية، والتي تُعرف ’بالتنسيق المسبق‘.

[5] وفقًا للبيانات الرسمية التي حصل عليها مركز الدفاع عن الفرد (هموكيد)، وهو منظمة إسرائيلية، انخفض معدل الموافقة على التصاريح التي تُمنح لأصحاب الأراضي من 76 في المائة من الطلبات التي قُدِّمت في العام 2014 إلى 28 في المائة في العام 2018 (حتى يوم 25 تشرين الثاني/نوفمبر). كما انخفض عدد التصاريح الصادرة للعمال في القطاع الزراعي من 70 في المائة إلى 50 في المائة من الطلبات التي قُدِّمت في الفترة نفسها.

[6] HaMoked to the military: permit holders must be allowed to enter and exit the Seam Zone unless under legal restrictions.

[7] مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، "تقارير تفيد بإنتاج محصول قياسي في موسم قطف الزيتون للعام 2019"، نشرة الشؤون الإنسانية، كانون الثاني/يناير-شباط/فبراير 2020.

[8] يرد النص على الحق في حرية التنقل داخل إقليم يقيم فيه الإنسان إقامة مشروعة في طائفة من معاهدات حقوق الإنسان التي وقعت عليها إسرائيل وتسري على الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها المادة 12 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

[9] تقرير الأمين العام، حالة حقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، وثيقة الأمم المتحدة (A/HRC/34/38)، نيسان/أبريل 2017، الفقرتان 32-33.

النسخة الملزمة للتقرير هي النسخة الإنجليزية