نشرت بتاريخ 13 يناير 2021

استدانة المال جانب من جوانب الحياة اليومية في قطاع غزة

يزيد متوسط الدين في أوساط الأسر اللاجئة الأفقر عن ضعفيْ دخلها السنوي

ساهم اتحاد الحماية في غزة[1] بكتابة هذه المقالة.

تقول صابرين، التي تبلغ من العمر 40 عامًا وتعيش في مخيم الشاطئ مع زوجها وأطفالها الستة: «أعيش في مساكن بالإيجار منذ 25 سنة. وخلال هذه السنوات، تم إخلائي 15 مرة بسبب عدم دفع الإيجار. وكان زوجي صياد سمك، ولكنه مريض منذ ست سنوات وهو غير قادر على العمل.» 

وترك ابنا صابرين الأكبران، محمود (17 عامًا) ومحمد (15 عامًا) المدرسة للعمل في مهنتيْ الصيد والبناء. وتعتمد الأسرة بالدرجة الأولى على استدانة المال لكي يتسنّى لها أن تؤمّن احتياجاتها الأساسية، كالغذاء والمياه والرعاية الصحية، وتراكم على كاهلها مبلغ قدره 14,000 شيكل، وهو ما يعادل 4,360 دولارًا. 

وقد تسبّب تفشي فيروس كورونا والتدابير التي تنفَّذ لاحتوائه في تقويض القدرة الشرائية المحدودة في الأصل لدى الفقراء من أمثال صابرين وقدرتهم على الصمود في مختلف أنحاء قطاع غزة. فبحلول الربع الثالث من العام 2020، بلغت نسبة البطالة 48.6 بين القوى العاملة في غزة،[2] بينما تشير التقديرات إلى أن عدد الأسر الفقيرة وصل إلى 64 بالمائة مع نهاية العام 2020.[3]

ونفذ اتحاد الحماية في غزة تقييم احتياجات متعدد القطاعات واستهدف الأسر اللاجئة التي تعيش في «فقر مدقع»، أي على دخل يقل عن 1,974 شيكل في الشهر (نحو 615 دولارًا)، بهدف إعداد برنامج لتقديم المساعدات النقدية لأكثر الأسر ضعفًا وتحديد خط أساس للتقييمات المستقبلية.[4] وبينما تستفيد الأسر اللاجئة المسجلة من المساعدات الغذائية والخدمات التي تقدمها ووكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، فلا تكفي هذه المساعدات والخدمات لانتشال تلك الأسر من الفقر المدقع، ويحتاج العديد منها إلى المزيد من الدعم.[5] وقد تفضي الأزمة المالية الخطيرة التي تعصف بالأونروا إلى تفاقم الوضع الاجتماعي والاقتصادي الذي يعيشه اللاجئون في غزة. 

وأجريَ هذا التقييم بين شهريْ آب/أغسطس وأيلول/سبتمبر 2020، حيث تم التواصل مع جميع الأسر التي استوفت المعايير المذكور أعلاه شخصيًا أو عبر الهاتف. وبالنتيجة، عُقدت المقابلات مع ما مجموعه 2,241 شخصًا مثّلوا أسرهم.[6]

وضمّت الأسرة المعيشية المتوسطة التي شاركت في التقييم ما متوسطه 6.4 أفراد من الأسرة النووية، وهو متوسط يزيد قليلًا عن المتوسط السائد في غزة، والذي يبلغ 5.8 أفراد. ومع ذلك، كان لنصف هذه الأسر تقريبًا أفراد من الأسرة الممتدة ممن يقيمون في المسكن نفسه، مما يرفع المتوسط الفعلي لحجم الأسرة إلى 7.5 أفراد. ويوجد في نحو نصف الأسر فرد واحد على الأقل يعاني من مرض مزمن أو إعاقة. وأفاد نحو ثلاثة أرباع البالغين بأنهم لم يشاركوا في أي شكل من أشكال العمل المدفوع الأجر على مدى الأيام الثلاثين السابقة، بينما أشار 22 بالمائة إلى أنهم عملوا في وظائف مؤقتة خلال تلك الفترة، ولم يملك سوى 4 بالمائة عملًا دائمًا.

ومن النتائج الرئيسية التي خلص إليها التقييم أن نحو 90 بالمائة من الأسر المشاركة في التقييم قد راكمت على كاهلها ديونًا ضخمة بالنسبة لدخلها، وعلى نحو لا يمكنها أن تتحمله ويفرز آثارًا سلبية عليها، لكي تلبي احتياجاتها الأساسية. ومن وسائل التأقلم الأخرى التي أشارت تلك الأسر إليها لكي تتمكن من الوفاء باحتياجاتها الأساسية تقليص الإنفاق على المواد غير الغذائية (41 بالمائة)، وإرسال أفراد الأسرة إلى مكان آخر لتناول الطعام (29 بالمائة) وإخراج الأطفال من المدارس (5 بالمائة).

وبلغ متوسط الدخل الشهري الذي أشارت الأسر التي شملها المسح 382 شيكلًا (ما يعادل 119 دولارًا)، في حين وصل الإنفاق الشهري في المتوسط إلى 726 شيكلًا (نحو 226 دولارًا). ووقف متوسط الدين المتراكم على كاهل الأسر في الوقت الذي أجري فيه التقييم عند عتبة 10,173 شيكلًا (نحو 3,169 دولارًا)، وهو ما يزيد عن ضعفيْ الدخل السنوي للأسر التي شاركت في المسح.

Percentile of surveyed families (income)

وفي المتوسط، تخصص الأسر التي شاركت في التقييم 41 بالمائة من إنفاقها الشهري لتأمين الغذاء، ويتبع ذلك تسديد الدين (16 بالمائة)، والصحة (9 بالمائة) والمصاريف المرتبطة بالتعليم (7 بالمائة). ومن الجدير بالملاحظة كذلك الإنفاق الكبير على الغذاء بالنظر إلى أن جميع الأسر تقريبًا تستفيد من المساعدات الغذائية التي تقدمها وكالة الأونروا.

وتحتاج الأسرة المتوسطة إلى ست سنوات لتسدد جميع ما عليها من ديون دون مساعدة، شريطة ألا تقع تحت عبء التزامات جديدة. وأشار ثلثا الأسر التي شملها المسح إلى أنها لم تسدد أي ديون في الشهر الذي سبق إجراء المسح. 

ويجري تكبّد الجزء الأكبر من الديون بطرق غير رسمية، معظمها من المحلات التجارية المحلية والأقارب والأصدقاء والأفراد آخرين في المجتمع المحلي وأصحاب العمل. وأفاد عدد ضئيل للغاية من الأسر بأنها تلجأ إلى الاقتراض الرسمي من مؤسسات، كالبنوك ومؤسسات الادخار والإقراض المحلية. وأشار أكثر من نصف الأسر (52 بالمائة) إلى أن ديونها مستحقة لأكثر من مقرض واحد، و9 بالمائة منها مديونة لثلاثة مقرضين أو أكثر. ومن المتوقع أن تتسبب الإمكانات المحدودة لدى الأسر على تسديد ديونها في تراجع قدرة المقرضين و/أو استعدادهم لمواصلة إقراض تلك الأسر، مما يجعل من آلية التأقلم هذه آلية غير مستدامة.

* Out of the cumulative number of individual debts by all families

ويشكل مستوى المديونية العالي، وما يقترن به من انعدام قدرة الأسر على تسديده، مصدرًا رئيسيًا من مصادر القلق والمشقة. فقد أشار ربع الأسر إلى أنها معرضة لخطر السجن، وأفاد 23 بالمائة منها إلى أنها لا تشعر بالأمان في مناطق سكناها بسبب ديونها، ولعل ذلك يُعزى إلى احتمال وقوع المناوشات مع المقرضين. ومن بين 10 بالمائة من الأسر التي شاركت في التقييم وتقطن في مساكن مستأجرة، أشار ثلثان (66 بالمائة) منها إلى أنها معرضة لخطر الإخلاء القسري بسبب عجزها عن دفع الإيجار. 

وتقول صابرين: «يجافيني النوم وأنا أفكر في ديوننا. فنحن مدينون بإيجار هذا المنزل والمنازل التي استأجرناها من قبله. كما ندين بالمال للباعة في سوق الخضار والدكاكين. وكنت أستدين من أختي، ولكن وضعها المالي بات الآن أسوأ بسبب فيروس كورونا، وليس في وسعها أن تمد يد العون لنا. وأقرضنا أحد أصدقاء ابني 1,700 شيكل (ما يعادل 530 دولارًا) وهو الآن يريد استعادة ماله.»

صابرين تعرض ثلاجتها الفارغة، 3 كانون الأول/ديسمبر 2020، مدينة غزة، تصوير اتحادالحماية في غزة

تأمين الاحتياجات الأساسية من خلال المساعدات النقدية

بناءً على هذا التقييم، حدد اتحاد الحماية في غزة 1,499 أسرة من أسر اللاجئين التي ينتابها الضعف من أجل تقديم المساعدات النقدية لها. وتتألف هذه المساعدات من خمس حوالات شهرية (من شهر تشرين الأول/أكتوبر 2020 حتى شهر شباط/فبراير 2021) تبلغ 1,185 شيكل (نحو 369 دولارًا) كل شهر لكل أسرة. ويقدَّر بأن يغطي هذا المبلغ 60 بالمائة من «الحد الأدنى لسلة الإنفاق» وفق حسابات فريق عمل المساعدات النقدية المشترك بين الوكالات.[7]

ويُتوقع من الأسرة المستفيدة أن تستخدم هذه المساعدات لتأمين احتياجاتها الأساسية، كتحسين استهلاكها من الغذاء وتقليص استخدام إستراتيجيات التأقلم السلبية. ومع ذلك، فهذه المساعدات التي توزَّع من خلال البطاقات الإلكترونية التي يجب استخدامها على أجهزة الصراف الآلي ليست مشروطة ولا مقيدة. فهذه الطريقة تسعى إلى كفالة حرية الأسر المستفيدة في تحديد أولوياتها، والمحافظة على كرامتها.

وكفاية، البالغة من العمر 46 عامًا وأم لطفلين، هي إحدى المستفيدات من اتحاد الحماية في غزة. وتعاني كفاية من بتر في أحد أطرافها ومن مرض السكري، وزوجها علاء مصاب بالشلل، وكلاهما في حاجة إلى المعالجة الطبية والدواء بانتظام، وهو ما يكلفهما نحو 330 شيكلًا كل شهر. وقد استخدمت كفاية وعلاء شطرًا من المساعدات النقدية التي حصلا عليها لتسديد رسوم مراجعة عيادة طبية خاصة وتجنب الاكتظاظ في مستشفى عام خلال فترة الوباء. وتقول كفاية: «في الماضي، رفض صاحب الصيدلية أن يعطيني الدواء بالدين لأنه لم يثق في مقدرتي على تسديده، ولكنني تمكنت من شراء دوائنا بعدما بدأت أتلقى المساعدات النقدية.»

ويعتمد تمديد ذا البرنامج بعد مرحلته الراهنة، التي تنتهي في شهر شباط/فبراير 2021، على استعداد المانحين والدول الأعضاء للمساهمة في التمويل الضروري.

وبينما تُعَد المساعدات النقدية ضرورية لتقديم جانب من الإغاثة المؤقتة للأسر المتضررة، فهي بعيدة عن أن تؤمّن حلًا مستدامًا لها. فالقضاء على الفقر والاعتماد على المساعدات يتطلب تغييرات جذرية في السياسات والممارسات التي تشكل الوضع في غزة، بما يشمله ذلك من رفع الحصار التي تفرضه إسرائيل عليها، بما يتماشى مع القرار 1860 الصادر عن مجلس الأمن، ووقف الأعمال القتالية بين الجماعات المسلحة الفلسطينية وإسرائيل على المدى البعيد وحل الانقسام الداخلي الفلسطيني، من جملة تغييرات أخرى.


[1]  أنشئ اتحاد الحماية في غزة في العام 2020 باعتباره مشروعًا مشتركًا بين المجلس النرويجي للاجئين ومؤسسة فيلق الرحمة (Mercy Corps)، بدعم من المكتب الإنساني للجماعة الأوروبية وبالتعاون مع برنامج الغذاء العالمي.

[2] الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، مسح القوى العاملة، الربع الثالث 2020.

[3] The World Bank, Economic Monitoring Report, June 2020.

[4]  ينطبق هذا الخط على أسرة تتألف من بالغيْن وثلاثة أطفال. الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، تموز/يوليو 2019.

[5] يعمل برنامج الغذاء العالمي في هذه الآونة على تقييم الأسر غير اللاجئة، التي ستتأهل للاستفادة من تدخل مشابه يشمل تقديم مساعدات نقدية كتلك التي تقدَّم للاجئين.

[6] جرى تحديد الأسر المستهدفة من بين تلك التي قدمت طلبات للحصول على المساعدات النقدية من وزارة التنمية الاجتماعية.

[7] يُعرف الحد الأدنى لسلة الإنفاق على أنه السلع والخدمات التي تحتاج الأسرة المعيشية إليها لتأمين احتياجاتها الأساسية على أساس (أسبوعي أو شهري أو موسمي) منتظم، وقيمة هذه السلع والخدمات. وهو يمثل تقديرًا شاملًا للاحتياجات، كما يراها ويحددها السكان المتضررون من الأزمات ومقدمو الخدمات والمساعدات.

النسخة الملزمة للتقرير هي النسخة الإنجليزية