نشرت بتاريخ 20 يوليو 2020
 كجزء من  

إنهاء التنسيق بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل ردًا على التهديد بالضم: قرار يؤثر بالفعل على التحويلات الطبية

Patient at the PA checkpoint next to the Erez crossing, before leaving Gaza for a medical treatment. October, 2019
Patient at the PA checkpoint next to the Erez crossing, before leaving Gaza for a medical treatment. October, 2019

في يوم 19 أيار/مايو 2020، أعلن الرئيس الفلسطيني محمود عباس أن السلطة الفلسطينية في حِلّ من جميع الاتفاقيات والتفاهمات التي وقّعتها مع إسرائيل والولايات المتحدة. وجاء هذا القرار ردًا على إعلان إسرائيل نيّتها ضمّ أجزاء من الضفة الغربية في يوم 1 تموز/يوليو، وذلك رهنًا "بالموافقة التامة" للإدارة الأمريكية الحالية. وقد لقي التهديد بالضم إدانة واسعة من المجتمع الدولي، وصرّح الأمين العام للأمم المتحدة بأن الضم "يشكل انتهاكًا خطيرًا للقانون الدولي، ويضرّ بشدة باحتمال حل الدولتين ويقوّض إمكانات تجديد المفاوضات."

وأوقفت السلطة الفلسطينية، في وقت لاحق، جميع الاتصالات الثنائية مع إسرائيل، بما فيها التنسيق الأمني،[1] وتوقفت عن قبول إيرادات المقاصة التي تجبيها إسرائيل بالنيابة عنها. وفضلًا عن حالة انعدام اليقين التي تلفّ الوضع الاقتصادي، فقد أفضى ذلك بالسلطة الفلسطينية إلى فقدان نحو 80 بالمائة من إيراداتها الشهرية وحدّ من قدرتها على دفع رواتب الموظفين. 

وأثّر وقف التنسيق بالفعل على العمليات الإنسانية في جميع أنحاء الأرض الفلسطينية المحتلة، بما يشمل الجاهزية لتفشي وباء فيروس كورونا والاستجابة له. فمنذ مطلع شهر حزيران/يونيو، تعطّلت قدرة الوكالات الإنسانية على استيراد اللوازم الأساسية، مما ألحق الضرر ببعض المنظمات الرئيسية العاملة في هذا المجال، بما فيها منظمة الصحة العالمية، وصندوق الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ناهيك عن بعض المنظمات غير الحكومية.

وتركّز هذه المقالة من مقالات نشرة الشؤون الإنسانية، وهي الأولى في سلسلة تتناول الآثار الناجمة عن وقف التنسيق بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، على وصول المرضى الفلسطينيين، من قطاع غزة بصفة خاصة، إلى خدمات الرعاية الصحية في القدس الشرقية وإسرائيل. فحتى الآن، تُوفي رضيعان من غزة قبل التمكن من إنجاز الترتيبات المطلوبة لتحويلهما إلى المستشفيات في إسرائيل والقدس الشرقية.

الحصول على الرعاية الصحية الأساسية تأثر تأثرًا بالغًا

يحتاج العديد من المرضى الفلسطينيين في جميع أنحاء الأرض الفلسطينية المحتلة ومرافقيهم إلى التصاريح التي تصدرها السلطات الإسرائيلية لكي يتسنّى لهم الوصول إلى الخدمات الصحية الأساسية التي لا تتوفر في مناطق سكناهم. فبالنسبة لسكان قطاع غزة، يُشترط الحصول على هذه التصاريح للوصول إلى المستشفيات في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، وإسرائيل والأردن. وفي الضفة الغربية، يُشترط على المرضى ومرافقيهم استصدار التصاريح لكي يدخلوا القدس الشرقية، أو إسرائيل أو الأردن.[2] وفي العام 2019، قدّم المرضى من الضفة الغربية (خارج القدس الشرقية) أكثر من 7,000 طلب والمرضى من غزة ما يربو على 2,000 طلب للحصول على تصاريح. ونحو ثلث هذه الطلبات تخص أشخاصًا يعانون من مرض السرطان. وكان ما يقرب من نصف التحويلات الواردة من وزارة الصحة الفلسطينية تتمّ إلى المستشفيات في القدس الشرقية.

وعلى الرغم من وقف تنسيق التصاريح، ففي وسع المرضى وأُسرهم من الضفة الغربية أن يذهبوا شخصيًا إلى مكتب التنسيق اللوائي الإسرائيلي ويقدموا طلباتهم للحصول على التصاريح بصورة مباشرة. وفضلًا عن ذلك، عمّمت السلطات الإسرائيلية تطبيقًا جديدًا على الهواتف النقالة، حيث يستطيع الفلسطينيون تحميله وتقديم طلبات التصاريح عن بُعد، على الرغم من الشواغل التي لا تزال قائمة حيال الخصوصية والتداعيات الأمنية المرتبطة بهذا التطبيق. ومنذ وقف التنسيق، ما عادت إجراءات تقديم طلبات التصاريح المخصصة للمرضى ومرافقيهم تخضع للرقابة، وما يقترن بذلك من وسائل محدودة تتيح متابعة عدد الأشخاص الذين يقدمون الطلبات أو تسجيلهم، أو معرفة عدد التصاريح المرفوضة أو تلك التي يجري تأخيرها، أو تيسير دعاوى الطعن في رفض طلبات التصاريح بالنيابة عن مقدميها.

وفي قطاع غزة، وعلى الرغم من استمرار صدور الموافقات المالية على تحويلات المرضى، أوقفت السلطة الفلسطينية تنسيق طلبات التصاريح التي يقدّمها سكان القطاع، بما فيها تلك التي يقدمها المرضى ومرافقوهم. وقد تراجعت نسبة إصدار التحويلات منذ تفشي وباء فيروس كورونا في الأرض الفلسطينية المحتلة في شهر آذار/مارس، بعد أن قررت وزارة الصحة الفلسطينية تقليص تقديم الخدمات الصحية من أجل الحد من مخاطر انتقال العدوى بالفيروس. وشمل ذلك الجهود المبذولة لتوطين بعض الخدمات الأساسية، كتقديم العلاج الكيماوي على نطاق محدود من خلال مزوّدي هذه الخدمة من القطاع الخاص في غزة. وبالإضافة إلى القيود التي فرضتها السلطات الفلسطينية، شدّدت السلطات الإسرائيلية معايير الأهلية التي يجب استيفاؤها للحصول على تصاريح المغادرة، مما أدى إلى حصرها في مرضى السرطان والحالات الطارئة.[3]  ولذلك، تراجع خروج المرضى خلال شهر آذار/مارس إلى 1,279 مريضًا بالمقارنة مع المتوسط الشهري الذي بلغ 1,777 مريضًا في شهري كانون الأول/يناير وشباط/فبراير. ولم يسجّل شهر نيسان/أبريل سوى 159 طلبًا، صدرت الموافقة على 113 طلبًا منها، بينما قُدِّم 160 طلبًا في شهر أيار/مايو وصدرت الموافقة على 105 طلبات منها.

وفي حين خُفِّفت القيود في أعقاب انخفاض أولي في عدد حالات الإصابة بفيروس كورونا، فقد تدفع الزيادة التي طرأت مؤخرًا على هذه الحالات في الضفة الغربية وإسرائيل السلطات إلى تمديد فرض القيود على الخروج من غزة للحيلولة دون تفشي الوباء على صعيد المجتمع هناك.

Salma, from Gaza, has Hodgkin lymphoma. Photo by WHOوقد جرى تيسير خروج عدد محدود من الحالات الطارئة بوساطة من المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، وهو منظمة غير حكومية تتخذ من غزة مقرًا لها، وغيره من المنظمات. فقد حُوِّلت سلمى، التي تبلغ من العمر 64 عامًا وتعاني من سرطان الغدد الليمفاوية، إلى مستشفًى بالضفة الغربية من أجل زراعة الخلايا الجذعية، وهي إجراء طبي لا يتوفر في غزة. وحصلت سلمى، بمساعدة من المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، على تصريح للسفر إلى الضفة الغربية في يوم 7 حزيران/يونيو، وهو اليوم الذي كان مقررًا لإجراء عملية الزراعة لها. ومع ذلك، أوقف المركز تنسيق التصاريح في يوم 9 حزيران/يونيو، بعدما نُشر تقرير صحفي إسرائيلي يصور الدور الذي يؤديه المركز كبديل لدور السلطة الفلسطينية.[4] وفي هذه الأثناء، يتولى عدد من منظمات المجتمع المدني والمستشفيات تنسيق تحويلات المرضى لتلقّي العلاج الطارئ.

وتم تشخيص إصابة أسامة، البالغ من العمر عامًا واحدًا، بسرطان الدم في يوم 8 حزيران/يونيو وتم تحويله على وجه الاستعجال إلى مستشفى المُطَّلع في القدس الشرقية للعلاج الفوري. وبفضل الجهود الجبارة التي بذلها طاقم المستشفى، حصل أسامة على تصريح في يوم 11 حزيران/يونيو، وتمكّن من السفر إلى المستشفى في اليوم نفسه.

ومع أن والدة أسامة كانت لا تزال ترضعه، فقد رافقته جدته لأنه من الأسهل على الأشخاص الأكبر سنًا أن يجتازوا الشروط الأمنية المطلوب الوفاء بها للحصول على التصاريح. وأفاد الطاقم الطبي في مستشفى المطلع أن الطفل عانى من حالة نفسية سيئة للغاية على مدى أيام بعد فصله عن أمه. وعلّق والد أسامة قائلًا: "أخبرونا أنه يبكي معظم الوقت. واتصل به شخص من المستشفى لنحاول تنسيق الحصول على تصريح لوالدة أسامة لكي تسافر وتبقى قريبة منه، ولكننا ما زلنا ننتظر."

One-year-old Omar was diagnosed with leukaemia in June.  Photo by WHOوأشارت التقارير إلى أن أول حالة وفاة سُجلت في غزة بعد وقف التنسيق في يوم 18 حزيران/يونيو، حيث توفي عمر ياغي البالغ من العمر ثمانية أشهر متأثرًا بالمضاعفات الناجمة عن مرض في القلب، وذلك قبل أن يتمكن من الحصول على تصريح للسفر وإجراء عملية في مركز بئر السبع الطبي في إسرائيل. وفي يوم 22 حزيران/يونيو، توفي رضيع عمره تسعة أيام، وهو أنور حرب، وكان يعاني من مشاكل في القلب أيضًا، قبل أن يتمكن من الحصول على تصريح لتلقي العلاج في القدس الشرقية. وكانت السلطات الإسرائيلية قد وافقت على تحويله إلى مستشفى المقاصد في ذلك اليوم، ولكن المستشفى لم يستطع تنسيق نقله بالإسعاف في الوقت المطلوب.[5]

وعقب وفاة عمر ياغي، بعث ائتلاف من منظمات تقع مقراتها في إسرائيل رسالة عاجلة إلى وزير الدفاع الإسرائيلي والنائب العام ورئيس مكتب أعمال الحكومة في المناطق، وطالب فيها إسرائيل، بصفتها السلطة القائمة بالاحتلال، بالعمل الفوري على ضمان سفر الفلسطينيين عبر معبر إيريز. وطلبت هذه المنظمات، على وجه التحديد، أن تزيل إسرائيل جميع القيود البيروقراطية التي تفرضها على طلبات التصاريح التي يقدمها المرضى وغيرهم من الحالات الإنسانية، والسماح لسكان غزة بدخول إسرائيل والضفة الغربية فورًا، وتقديم توضيح فوري للطريقة التي يستطيع مرضى غزة من خلالها تقديم طلبات التصاريح، ونشر معلومات واضحة ومفصلة يسهل الاطلاع عليها عن الإجراء البديل لتقديم هذه الطلبات.

الأدوار والمسؤوليات الملقاة على عاتق الطرفين

وردت اقتراحات ترى إمكانية الطلب إلى المنظمات الدولية، ولا سيما الأمم المتحدة، أن تضطلع بأنشطة التنسيق التي كانت السلطة الفلسطينية تتولى المسؤولية عنها في السابق. ومع ذلك، وحسبما صرّح به منسق الأمم المتحدة الخاص، نيكولاي ملادينوف، في الإحاطة الأخيرة التي قدمها أمام مجلس الأمن، ففي حين أن الأمم المتحدة "على استعداد لتقديم الدعم على أساس طارئ، فهي لا تستطيع أن تحلّ محل السلطة الفلسطينية. ومن المهم للغاية عدم تأخير المساعدات الإنسانية وغيرها أو وقفها."

ولا يعفي الدعم الذي تقدمه الأمم المتحدة في حالات الطوارئ إسرائيل أو السلطة الفلسطينية من التزاماتهما الرئيسية تجاه السكان الفلسطينيين في الأرض الفلسطينية المحتلة. فبموجب القانون الدولي، تتحمّل إسرائيل، بصفتها السلطة القائمة بالاحتلال، المسؤولية الرئيسية عن حماية هؤلاء السكان ورفاههم، بما يشمل وصولهم إلى الخدمات الصحية الأساسية. فحتى قبل تعليق التنسيق، كان المرضى الفلسطينيون ومرافقوهم يواجهون عقبات في الحصول على الرعاية الصحية الأساسية في الوقت المطلوب بسبب تأخير الموافقة على التصاريح التي تصدرها إسرائيل ورفضها، وهي تصاريح يحتاجون إليها للوصول إلى المراكز المتخصصة الرئيسية في القدس الشرقية وإسرائيل.

كما تقع على عاتق السلطة الفلسطينية، التي صدّقت على معاهدات حقوق الإنسان، واجبات معينة تجاه هؤلاء السكان، في حدود اختصاصها، مثلما هو حال سلطة الأمر الواقع في قطاع غزة. وتشمل هذا الواجبات ضمان احترام الحق في أعلى مستوى من الصحة يمكن بلوغه وحمايته، وضمان أن السياسات الموضوعة أو الانسحاب من مسؤوليات سابقة لا يسبب الأذى لأولئك السكان.

وبناءً على هذه الاعتبارات، اتفقت الأمم المتحدة مع السلطات الفلسطينية والإسرائيلية على إنشاء آلية مؤقتة، تتولى الأمم المتحدة بموجبها تيسير تحويل الوثائق المطلوبة بين الجانبين، لضمان وصول مرضى غزة إلى الخدمات الصحية الأساسية في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، وإسرائيل. ومن المتوقع أن تستهلّ هذه الآلية عملها في النصف الثاني من شهر تموز/يوليو.


[1] الاستثناء الوحيد هو التنسيق المتعلق بمعبر كرم أبو سالم لنقل البضائع إلى قطاع غزة ومنه إلى خارجه، حيث لا يزال المعبر يزاول عمله كما كان عليه الحال من قبل.

[2] لا يُشترط على معظم الرجال الذين تتجاوز أعمارهم 55 عامًا والنساء اللواتي تزيد أعمارهن عن 50 عامًا من بقية أنحاء الضفة الغربية، إلى جانب الأطفال الذين يبلغون من العمر 13 عامًا أو أقل، ومرافقوهم البالغون الحصول على تصاريح لدخول إسرائيل أو القدس الشرقية.

[3] https://www.ochaopt.org/ar/content/additional-treatment-option-available-cancer-patients-gaza-amid-tightening-access-0

[4] https://www.pchrgaza.org/ar/?p=19204

[5] http://www.alhaq.org/cached_uploads/download/2020/06/27/200626-joint-urgent-appeal-on-the-denial-of-access-to-healthcare-for-gaza-final-for-website-1593231933.pdf

النسخة الملزمة للتقرير هي النسخة الإنجليزية