نشرت بتاريخ 13 يناير 2021

موسم قطف الزيتون في العام 2020: محصول ضئيل وسط القيود المفروضة على الوصول وعنف المستوطنين

كان موسم قطف الزيتون للعام 2020، والذي استُهلّ في شهريْ تشرين الأول/أكتوبر وتشرين الثاني/نوفمبر، موسمًا ضعيفًا على نحو استثنائي من ناحية محصول الزيت. وتتوقع وزارة الزراعة الفلسطينية ما مجموعه 13,000 طن من زيت الزيتون (بما فيه نحو 1,500 طن في قطاع غزة)، وهو ما يمثل انخفاضًا قدره 55 بالمائة بالمقارنة مع العام 2019. ويُعزى ذلك إلى ظاهرة تبادُل الحِمل (المعاومة) «سنة الحمل الغزير تعقُبها سنة حِملها خفيف»، وما اقترن بها من ضعف توزيع هطول الأمطار وارتفاع درجات الحرارة القصوى خلال دورة نمو المحصول.

كما اتسم هذا الموسم بصعوبات واجهها المزارعون في الحصول على التصاريح من السلطات الإسرائيلية للوصول إلى أراضيهم في المناطق الواقعة خلف الجدار وعلى مقربة من المستوطنات الإسرائيلية. وكان ذلك بسبب القرار الذي اتخذته السلطة الفلسطينية في شهر أيار/مايو 2020 بوقف التنسيق مع السلطات الإسرائيلية، بعدما أعلنت إسرائيل عن نيتها ضم أجزاء من الضفة الغربية.[1]

ومع ذلك، وبعد أن خففت إسرائيل بعض الإجراءات، تمكن معظم المزارعين الذين صُرِّح لهم بالوصول إلى أراضيهم في المناطق المقيد الوصول إليها خلال السنوات السابقة من الوصول إليها هذا العام أيضًا، على الرغم من غياب التنسيق مع السلطة الفلسطينية. ولا يزال نظام تقييد الوصول الذي يطبَّق على هذه المناطق على مدار العام ويتسبب في عرقلة الأنشطة الزراعية الأساسية، يؤثر على إنتاجية الزيتون وقيمته.

وكما هو الحال في الأعوام المنصرمة، تسبّب المستوطنون الإسرائيليون في تعطيل هذا الموسم أيضًا، حيث اعتدوا جسديًا على المزارعين أو أتلفوا أشجارهم أو أضرموا النار فيها، أو قطفوا محصولهم أو سرقوه. ومع أن العدد المطلق لهذه الحوادث شهد تراجعًا طفيفًا بالمقارنة مع العام 2019، فمن المرجح أن ذلك يرتبط بوجود المزارعين على نطاق محدود في أراضيهم بسبب رداءة الموسم وضعفه.

ويُعَدّ موسم قطف الزيتون الذي يحل كل عام فعالية اقتصادية واجتماعية وثقافية لها أهميتها لدى الفلسطينيين.[2] وينبغي لإسرائيل، بصفتها السلطة القائمة بالاحتلال، أن تضمن قدرة الفلسطينيين على المشاركة في هذا النشاط وتحقيق الاستفادة الكاملة منه. وهذا يشمل ضمان إمكانية وصول المزارعين إلى حقول الزيتون التي يملكونها على مدار العام، وحماية أشجارهم وممتلكاتهم الزراعية من التلف والسرقة. 

وتُعَدّ المساعي التي بذلتها السلطات الإسرائيلية مؤخرًا في سبيل تيسير وصول المزارعين إلى المناطق المقيد الوصول إليها، إلى جانب نشر أعداد إضافية من القوات الإسرائيلية لمنع المستوطنين من مهاجمة الفلسطينيين في موسم قطف الزيتون، خطوات إيجابية جديرة بالترحيب. ومع ذلك، فلا تزال القيود المفروضة على الوصول منذ أبد بعيد فيما يتصل بالمستوطنات ومقاطع الجدار التي تتغلغل في أراضي الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، والمقامة على نحو يخالف القانون الدولي، تقوض سبل العيش القائمة على الزراعة. وفضلًا عن ذلك، لم يكن لتعزيز وجود القوات الإسرائيلية في بعض المناطق وفي أوقات بعينها جدوى كبيرة في الحيلولة دون إتلاف أشجار الزيتون على نطاق واسع. فالثغرات التي طال أمدها على صعيد إنفاذ سيادة القانون على المستوطنين الذين يمارسون العنف ما فتأت تشكل مصدر قلق بالغ.[3]

فتوى محكمة العدل الدولية

أصدرت محكمة العدل الدولية فتوى بشأن «الآثار القانونية الناشئة عن تشييد جدار في الأرض الفلسطينية المحتلة» في العام 2004. وقررت المحكمة في فتواها أن مقاطع الجدار التي تتغلغل داخل الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، إلى جانب نظام البوابات والتصاريح المرتبط به، تخالف الالتزامات الواقعة على إسرائيل بموجب القانون الدولي. ودعت محكمة العدل الدولية إسرائيل إلى أن توقف بناء الجدار داخل الضفة الغربية، ’ بمـا في ذلـك القـدس الشـرقية وحولهـا‘، وأن تفكّك المقاطع التي شُيدت منه بالفعل، وأن ’ تلغـي علـى الفـور أو تبطـل مفعـول جميـع القـوانين التشـريعية واللـوائح التنظيميـة المتصـلة بـه‘، وذلك في معرض الإشارة إلى نظام البوابات والتصاريح.

العقبات التي تحول دون الوصول إلى الأراضي في المناطق المقيد الوصول إليها بسبب الجدار

جاءت التطورات التي شهدها هذا العام في ضوء انخفاض معدل الموافقة على طلبات التصاريح التي يقدّمها أصحاب الأراضي، والتي تسري لمدة عامين في العادة، من أجل الوصول إلى أراضيهم في المناطق المقيد الوصول إليها والواقعة خلف الجدار، والتي تُعرف «بمنطقة التّماس».[4] ووفقًا للبيانات الرسمية، انخفض معدل الموافقة على التصاريح التي تُمنح لأصحاب الأراضي من 71 بالمائة من الطلبات التي قُدِّمت في العام 2014 إلى 37 بالمائة في العام 2019.[5] وبينما شهد هذا المعدل مزيدًا من التراجع في العام 2020 إلى 24 بالمائة (حتى يوم 1 تشرين الأول/أكتوبر)، فقد لا تمثل هذه النسبة الوضع القائم بسبب تعطُّل الإجراءات المعتادة في تقديم طلبات التصاريح بعد وقف التنسيق بين السلطات الإسرائيلية والفلسطينية. ووفقًا للسلطات الإسرائيلية، يعود سبب تراجع معدلات الموافقة على مدى الأعوام الماضية إلى الأعداد الكبيرة من الأشخاص الذين يستخدمون تصاريح «منطقة التماس» للدخول بصورة غير قانونية إلى إسرائيل للبحث عن عمل.

المصدر: رد النائب العام للدولة على الالتماس الذي رفعه مركز هموكيد إلى محكمة العدل العليا الإسرائيلية (الدعوى رقم 6896/18)

وفي المقابل، بلغ متوسط معدل التصاريح قصيرة الأجل (التي تُسمى تصاريح «الاحتياجات الشخصية»، والتي تخوّل حامليها إنجاز الأعمال الزراعية، 90 بالمائة في الفترة الواقعة بين العامين 2013 و2020. ووفقًا للبيانات الرسمية التي نشرتها إسرائيل، صدرت الموافقة على 3,500 تصريح من هذه التصاريح حتى يوم 1 تشرين الأول/أكتوبر 2020، وهو ما يمثل نحو 92 بالمائة من جميع الطلبات التي قُدمت للحصول عليها.

وبعد وقف التنسيق، لم تؤدِّ السلطة الفلسطينية وظيفتها المعتادة في تيسير معالجة طلبات التصاريح. وبدل ذلك، اشتُرط على المزارعين الفلسطينيين أن يحضروا بأنفسهم إلى مكاتب التنسيق والارتباط اللوائي الإسرائيلية في مناطقهم لتقديم طلبات التصاريح. وبالنظر إلى الظروف والترتيبات المادية في هذه المكاتب، فقد أفضى ذلك إلى حالات شهدت الاكتظاظ وإثارة الشواغل إزاء احتمالية انتقال العدوى بفيروس كورونا، ولا سيما في شمال الضفة الغربية، حيث تقع معظم الأراضي التي تُفرض قيود على الوصول إليها.

واستجابة للشكاوى التي رفعتها المنظمات الإنسانية ومنظمات حقوق الإنسان، أعلنت الإدارة المدنية الإسرائيلية في أواخر شهر تشرين الأول/أكتوبر أنها ستعيد إصدار تصاريح «منطقة التماس» المطلوبة إلكترونيًا لكل من مُنحت له في العام 2019. كما وافقت الإدارة المدنية على السماح بالوصول إلى جميع المناطق الواقعة خلف الجدار، والتي يُشترط لدخولها الحصول على الموافقة الشفهية من السلطات الإسرائيلية، وهو ما يشار إليه «بالتنسيق المسبق» (بدلًا من التصاريح)، وذلك بناءً على قوائم الأسماء المعتمدة في العام السابق. ونشرت الإدارة المدنية، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، معلومات عن البوابات التي حددتها (انظر المزيد من التفاصيل أدناه) وساعات فتحها. وفي بعض الحالات في منطقة رام الله، سُمح للمزارعين الذين لم يُمنحوا تصاريح في العام 2019 بالوصول إلى أراضيهم بعدما قدموا شهادات من مجالسهم القروية تثبت صلتهم بأراضيهم.

مزارعون ينتظرون على مدخل مكتب التنسيق والارتباط اللوائي في قلقيلية لتقديم طلب الحصول على تصاريح «منطقة التماس»، 16 أيلول/سبتمبر 2020

وعلى العموم، يشير الرصد الميداني الذي أجراه مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إلى أن معظم المزارعين الذين حصلوا على التصاريح أو ما يسمى «التنسيق المسبق» في العام 2019 تمكنوا من الوصول إلى «منطقة التماس» مرة أخرى. ولسوء الحظ، لم يتيسر جمع بيانات شاملة مثلما كان الحال عليه في الأعوام السابقة بالنظر إلى أن مكاتب التنسيق والارتباط اللوائي الفلسطينية لم تكن تعمل كالمعتاد. 

وتشير المعلومات الجزئية التي تم الحصول عليها عن محافظتي القدس ورام الله إلى تراجع زادت نسبته عن 60 بالمائة في عدد الفلسطينيين الذين وصلوا إلى أراضيهم خلال الموسم بالمقارنة مع العام 2019 (600 مقابل 1,600 في كل محافظة). ويُعزى هذا التراجع إلى انخفاض وتيرة العمل المطلوب بسبب ضآلة المحصول، إلى جانب عدم رغبة بعض المزارعين عن التعامل مباشرة مع الإدارة المدنية الإسرائيلية. وفي منطقة الخليل، تمكن 525 مزارعًا، هم أنفسهم ممن حصلوا على الموافقة العام الماضي، من الوصول إلى أراضيهم هذا العام ايضًا، وخاصة من خلال ترتيب «التنسيق المسبق». 

وتفيد الأدلة المروية بأن المزارعين استفادوا كذلك من العديد من فتحات الجدار، التي يستخدمها أساسًا العمال الذين لا يحملون تصاريح لدخول إسرائيل، من أجل الوصول إلى أراضيهم الواقعة في «منطقة التماس».

إلغاء الأوامر الدائمة

تضع الأنظمة الدائمة الجديدة التي أصدرتها السلطات الإسرائيلية في شهر أيلول/سبتمبر 2019 حدًا على عدد الأيام التي يستطيع فيها المزارعون الوصول إلى أراضيهم في «منطقة التماس» في العام، وذلك بناءً على حجم قطعة الأرض وطبيعة المحصول المزروع. وردًا على التماس رفعه مركز هموكيد إلى محكمة العدل العليا الإسرائيلية، أعلنت دولة إسرائيل في يوم 25 تشرين الأول/أكتوبر 2020 أن التصريح الذي يحدد عدد مرات الدخول استُخدم على سبيل التجربة، وأنه سيُلغى لأنه «أخفق في تحقيق أهدافه». ووفقًا لمركز هموكيد، «يضع هذا حدًا لأكثر السياسات التقييدية التي فُرضت على المزارعين في منطقة التماس حتى الآن، والتي سبّبت مصاعب جمة هددت تقاليد الفلاحة والزراعة في هذه المناطق (الواقعة في منطقة «التماس»).»

انخفاض طفيف في عدد بوابات الجدار

لا يمكن الوصول إلى الأراضي الواقعة في «منطقة التماس»، حتى في حال منح التصاريح أو ما يسمى التنسيق المسبق، إلا عبر بوابات أو حواجز معيَّنة مقامة على امتداد الجدار وتخضع لسيطرة الجنود الإسرائيليين. ولا يُفتح معظم هذه البوابات والحواجز إلا خلال موسم قطف الزيتون ولمدة محدودة من الوقت في أيام هذا الموسم، مما يؤدي إلى حظر الوصول إلى الأراضي على مدار العام. وخلال موسم قطف الزيتون في العام 2020، جرى تخصيص 69 بوابة وأربعة حواجز للوصول إلى الأراضي الزراعية، وذلك بالمقارنة مع 73 بوابة وخمسة حواجز في العام 2019. ولم يُفتح سوى 11 بوابة وحاجزًا على أساس يومي، وعشرة لمدة يوم أو بضعة أيام في الأسبوع وخلال موسم قطف الزيتون. أما غالبية البوابات، وهي 48 بوابة، فلم تُفتح إلا خلال موسم قطف الزيتون وتُغلق بقية أيام العام.

وكما هو الحال في المواسم السابقة، اشتكى المزارعون من الساعات المحدودة التي تُفتح فيها البوابات ومن تلك البوابات التي لم تُفتح في مواعيدها المحددة أو أُغلقت قبل هذه المواعيد، أو من عدم السماح للمركبات الزراعية من عبور الجدار. وفي شمال الضفة الغربية، أقيمت حواجز إسمنتية على أربع بوابات لمنع مرور المركبات والمعدات وحيوانات المزارع.

ويعوق التخصيص المحدود للتصاريح، والعدد المحدود لبوابات الجدار ومواعيد فتحها الأنشطة الزراعية الأساسية التي تجري على مدار السنة، من قبيل أعمال الحراثة، والتقليم والتسميد والتعامل مع الآفات وإزالة الأعشاب الضارة. ونتيجةً لذلك، ثمة أثر سلبي على إنتاجية الزيتون ونوعيته وقيمته. ومنذ العام 2011، لا يزال مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية يرصد إنتاجية عدد تمثيلي من المزارعين في شمال الضفة الغربية. وتشير هذه البيانات إلى أن محصول أشجار الزيتون في المنطقة الواقعة بين الجدار والخط الأخضر انخفض بنحو 60 بالمائة بالمقارنة مع نظيراتها من الأشجار في المناطق التي يمكن الوصول إليها على مدار العام.[6]

الوصول إلى الأراضي داخل المستوطنات والقريبة منها

تملك العشرات من التجمعات السكانية الفلسطينية أراضٍ داخل المستوطنات والبؤر الاستيطانية الإسرائيلية أو بجوارها وتواجه القيود في الوصول إلى هذه الأراضي.[7] وبناءً على مجموع الأوامر العسكرية وما يتصل بها من خرائط صدرت عن السلطات قبل موسم العام 2020، أشارت تقديرات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إلى أن المزارعين اضطروا إلى الحصول على إذن من إسرائيل (أو ما يسمى التنسيق المسبق) للوصول إلى 13,900 دونم من تلك الأراضي. ووفقًا للسلطات، يهدف هذا التقييد إلى حماية المستوطنين الإسرائيليين من مهاجمين فلسطينيين محتملين. وفضلًا عن ذلك، جرى تحديد 13,500 دونم من الأراضي باعتبارها «مناطق احتكاك» يتعرض فيها المزارعون الفلسطينيون لخطر عنف المستوطنين. ويُعد الحصول على «تصريح مسبق» قبل الوصول إلى هذه المناطق أمرًا موصى به، مع أنه ليس إلزاميًا.[8]

وعلى أساس متوسط يبلغ 11 شجرة زيتون لكل دونم،[9] تشير التقديرات إلى أن أكثر من 300,000 شجرة زيتون تقع في المناطق الواقعة ضمن الفئتين المقيد الوصول إليهما. ويقع نحو نصف هذه المناطق في محافظة نابلس، تليها سلفيت وقلقيلية اللتين تصل نسبة تلك المناطق إلى 19 بالمائة و18 بالمائة في كل منهما، بينما يتوزع ما يتبقى بين محافظات رام الله والخليل وبيت لحم. وثمة 110 قرية وبلدة فلسطينية تقع بجوار المناطق المقيد الوصول إليها والمتضررة.[10]

وفي الماضي، كانت الفترة التي تخصَّص للمزارعين لقطف زيتونهم داخل المستوطنات أو على مقربة منها يخضع للتفاوض بين مكاتب الارتباط والتنسيق اللوائي الإسرائيلية والفلسطينية. وفي ضوء وقف التنسيق في هذا العام، حددت المكاتب الإسرائيلية من جانب واحد الفترة المقررة لكل منطقة ونشرت المعلومات عبر قنوات مختلفة. ومُنحت معظم التجمعات السكانية فترة تراوحت من يومين إلى أربعة أيام للوصول إلى المناطق المقيد الوصول إليها. وخلال هذه الأيام، عززت القوات الإسرائيلية وجودها على الأرض. واتسم الوصول إلى هذه المناطق بالسلاسة وسار حسب الجدول الزمني المقرر بوجه عام. وأفاد أبناء بعض التجمعات السكانية بأنهم استفادوا من الفرصة التي أتيحت لهم لحراثة أراضيهم، بالنظر إلى أن الوصول إليها خلال موسم الحراثة نفسه في وقت سابق من العام كان ممنوعًا بسبب القيود المرتبطة بفيروس كورونا أساسًا.

لا يزال عنف المستوطنين يقوض موسم قطف الزيتون

خلال الفترة الواقعة بين شهريْ تشرين الأول/أكتوبر وتشرين الثاني/نوفمبر 2020، وثّق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية 40 حادثة من عنف المستوطنين في سياق موسم قطف الزيتون، حيث نفذها أشخاص يُعرف عنهم أو يعتقد بأنهم مستوطنون، مما أدى إلى وقوع إصابات بين الفلسطينيين أو وإتلاف الأشجار. وانطوت هذه الحوادث في حالات أخرى على سرقة المحصول والأدوات.[11] وهذا يمثل تراجعًا بالمقارنة مع الموسم السابق (48 حادثة). ومع ذلك، بلغ موسم قطف الزيتون في العام 2019 الذروة من ناحية المحصول وما وازاه من وجود المزارعين في أراضيهم، بالمقارنة مع محصول هذا الموسم الذي انخفض إلى مستويات قياسية، مما يجعل من المقارنات أمرًا صعب المنال.

وفي الإجمال، أصيبَ 26 فلسطينيًا بجروح خلال موسم هذا العام (من بينهم 16 خلال اشتباكات مع القوات الإسرائيلية التي تدخلت في أعقاب هجمات شنها المستوطنون)، وأُتلفت أكثر من 1,700 شجرة. واكتشف الفلسطينيون أن نحو 1,870 شجرة قطفها أشخاص يُعتقد بأنهم مستوطنون إسرائيليون. وكما هو الحال في الأعوام السابقة، سُجل أكبر عدد من هذه الحوادث في محافظتي نابلس (17) ورام الله (10).

ومن الجدير بالذكر أن 40 بالمائة من حوادث هذا العام (16) وقعت في المناطق المغلقة المجاورة للمستوطنات، والتي تُفرض القيود على وصول الفلسطينيين إليها، على الوجه المبين أعلاه. وفي معظم هذه الحالات، وجد المزارعون أشجارهم وقد أصابتها الأضرار أو أُضرمت فيها النيران، أو أن ثمارها قد قُطفت. 

وفي واحدة من الحوادث الخطيرة، أضرم شخص يُعتقد بأنه مستوطن إسرائيلي النار، في يوم 9 تشرين الأول/أكتوبر، في 600 شجرة زيتون تعود ملكيتها لمزارعين من قرية صفا (رام الله)، والواقعة في «منطقة التماس» قرب مستوطنة موديعين عيليت. وفي حادثة أخرى وقعت في يوم 12 تشرين الثاني/نوفمبر، دخل مزارعون من قرية سعير (الخليل) أراضيهم الواقعة بجوار مستوطنة أسفر بعدما حصلوا على التصريح المطلوب، ووجدوا أن نحو 1,000 شجرة قد قُطفت ثمارها، إلى جانب إتلاف بعض الأشجار.

وفي حوادث أخرى (لا تَرِد ضمن تعداد الحوادث)، اكتشف الفلسطينيون أن مياه الصرف الصحي المتدفقة من المستوطنات والبؤر الاستيطانية قد أغرقت أراضيهم وسبّبت أضرارًا لأشجارهم.  

ففي قرية سبسطية، نابلس، دمرت مياه الصرف الصحي التي تدفقت من مستوطنة شافي شمرون أكثر من 100 شجرة زيتون. وتملك سوسن علوان من عين يبرود (رام الله) نحو 30 دونمًا من الأراضي المزروعة بأشجار الزيتون بجوار مستوطنة عوفرا، ولا يمكنها الوصول إليها إلا من خلال التنسيق المسبق: «في كل عام ندخل المستوطنة ونكتشف أن أشجارنا تموت من مياه الصرف الصحي التي تتدفق من المستوطنة وتتسرب إلى أرضنا. ونحاول أن نحل المشكلة خلال الوقت المحدود الذي يُسمح لنا بالوصول فيه من خلال تحويل مجرى مياه الصرف الصحي وإبعادها عن أشجارنا، ولكن ذلك ليس كافيًا.»

«تنتابنا الصدمة عندما نذهب إلى أرضنا ونرى أن كل أشجار الزيتون وقد قطعت»

منذ العام 2013، تقدّم منظمة الإغاثة الأولّية الدولية (Première Urgence Internationale) الدعم للمزارعين في الوصول إلى أراضيهم الواقعة في مناطق «منطقة التماس» والمناطق القريبة من المستوطنات والتي يُشترط للوصول إليها تأمين «التنسيق المسبق». ووفضلًا عن ذلك، ما زالت المنظمة تقدم، منذ العام 2015، الدعم لسبل عيش المزارعين، بما يشمل المساعدات النقدية لاستئجار المزيد من العمال، وتوزع المعدات الزراعية، إلى جانب المعدات الكهربائية لقطف الزيتون في سياق مشروع تجريبي هذا العام، وذلك لمساعدة المزارعين على قطف زيتونهم على نحو أسرع خلال الأيام القليلة التي يُسمح لهم فيها بالوصول إلى أراضيهم القريبة من المستوطنات. كما تقدم المنظمة المساعدات المالية للمزارعين المتضررين من عنف المستوطنين. 

ومن المزارعين الذين استفادوا من الدعم الذي تقدمه منظمة الإغاثة الأولية الدولية سعيد، الذي يبلغ من العمر 60 عامًا، ومن سكان قرية المغير في محافظة رام الله. ويملك سعيد 43 دونمًا من الأراضي القريبة من بؤرة عادي عاد الاستيطانية. ويُعتقد بأن المستوطنين في هذه البؤرة ارتكبوا العديد من الهجمات بحق الفلسطينيين وممتلكاتهم على مر السنين. ومع أن البؤرة أقيمت دون تصريح رسمي إسرائيلي وتقع في قسم منها على أراضٍ يملكها المستوطنون ملكية خاصة، تعمل السلطات في هذه الآونة على «تسويتها».[12] 

وزرع سعيد 600 شجرة زيتون على قطعة من الأرض التي يملكها في العام 1982. ومع مرور السنوات، استُهدفت أرضه مرات عديدة، مما أدى إلى سرقة محصوله وقطع أشجاره وحرقها وتعرُّضه للسجن. وسُجل اعتداءان في العام 2020 وحده. ففي شهر شباط/فبراير، جُرفت أرض سعيد، مما أدى إلى اقتلاع جذوع نحو 200 شجرة زيتون وجذورها. وفي شهر تشرين الأول/أكتوبر، وجد سعيد بعدما وصل إلى أرضه في أول يوم من موسم قطف الزيتون أن 120 شجرة زيتون قد قُطعت بالمناشير الكهربائية. ولم يتبقّ سوى 15 شجرة من أصل 600 شجرة غرسها سعيد في الأصل.

سعيد عند واحدة من أشجاره التي طالها التخريب في شهر شباط/فبراير 2020ويقول سعيد: «تنتابنا الصدمة عندما نذهب إلى أرضنا ونرى أن كل أشجار الزيتون وقد قطعت. إن ذلك يشبه أن ترى ابنك وقد مات. أخشى أنهم سيقطعون كل شيء شيئًا فشيئًا، ولن يبقى أي سبب يدفعني إلى الذهاب إلى أرضي، ثم سأُمنع من الذهاب إليها والعمل فيها. وهذه هي الجريمة الكبرى.»

وعوضت منظمة الإغاثة الأولية الدولية سعيد بمبلغ قدرة 21,600 شيكل (6,750 دولارًا)، أو ما نسبته 80 بالمائة من قيمة أشجاره البالغ عددها 120 شجرة. كما قدمت المنظمة له آلات القطف لكي يتمكن من قطف ثمار أشجاره المزروعة في قطعة أخرى تقع في منطقة يتطلب وصوله إليها أن يحصل على «التنسيق المسبق»، وذلك ضمن الوقت القصير المتاح له. وسوف يتمكن سعيد من زراعة 400 شتلة زيتون قدمتها له المنظمة حالما يتيسر له الوصول إلى أرضه الأخرى. 

ويصف سعيد «التنسيق المسبق» كما لو كان «موتًا بطيئًا لأرضنا» لأنه لا يُسمح بالوصول إليها على عادته إلا في يومين خلال موسم قطف الزيتون ويوم واحد في موسم الحراثة.  

«المساعدات الإنسانية مهمة للتخفيف من وطأة الخسائر التي لحقت بي وبالمزارعين الآخرين. ولكن ما نحتاج إليه الآن هو استجابة قانونية أقوى لتيسير وصولنا إلى أراضينا للحيلولة دون الإعلان عنها «أراضي دولة» بحيث لا يعود في وسعنا أن نصل إليها.»


[1] وقد استؤنف هذا التنسيق مجددًا في يوم 17 تشرين الثاني/نوفمبر، عندما شارف موسم قطف الزيتون على نهايته.

[2] تعتمد 80,000-100,000 أُسرة على الزيتون وزيت الزيتون لتأمين مصادر دخل رئيسية أو ثانوية لها، ويؤمِّن هذا القطاع فرص عمل لأعداد كبيرة من العمال غير المَهَرة ولأكثر من 15 بالمائة من النساء العاملات. انظر:

PALTRADE, The State of Palestine National Export Strategy: Olive Oil, Sector Export Strategy 2014-2018, pp. 5-9.

ووفقًا لمركز التجارة الفلسطيني، تتراوح قيمة قطاع الزيتون برمته، بما فيه زيت الزيتون وزيتون المائدة والزيتون المخلَّل والصابون، من 160 مليون إلى 190 مليون دولار في سنوات الإنتاج الجيد.

[3] وفقًا لمنظمة "يش دين"، وهي منظمة إسرائيلية تُعنى بحقوق الإنسان، فمن بين 273 ملف من ملفات التحقيق التي فتحتها الشرطة بين العامين 2014 و2019 وبلغت مراحلها النهائية، لم يُفضِ سوى 25، أو 9 بالمائة، منها إلى ملاحقة مرتكبي أعمال العنف، بينما أُغلقت الملفات الـ248 الأخرى دون توجيه لوائح اتهام لأحد. ومن بين هذه الملفات الأخيرة، أُغلق أكثر من 70 بالمائة منها نظرًا "لعدم معرفة مرتكبي أعمال العنف" أو "عدم كفاية الأدلة"، "مما يشير إلى أن الشرطة خلصت إلى أن جريمة ارتُكبت، ولكنها عجزت عن تحديد مرتكبيها أو جمع ما يكفي من الأدلة لملاحقتهم. انظر: 

Yesh Din, Law enforcement on Israeli civilians in the West Bank, January 2020.

[4] في شمال الضفة الغربية، أُعلن عن الأراضي الواقعة بين الجدار والخط الأخضر منطقة مغلقة بموجب أمر عسكري صدر في شهر تشرين الأول/أكتوبر 2003. وفي شهر كانون الثاني/يناير 2009، جرى تعميم تعريف المنطقة المغلقة على جميع المناطق الواقعة بين الجدار والخط الأخضر أو جزء منها في محافظات سلفيت ورام الله وبيت لحم والخليل، بالإضافة إلى مناطق مختلفة تقع بين الجدار وحدود بلدية القدس التي تحددها إسرائيل. ووفقًا لمركز هموكيد، تغطي منطقة التماس مساحة تزيد عن 121,255 دونمًا، من بينها 70,530 دونمًا من الأراضي المملوكة ملكية خاصة.

[5] ويُعَد معدل الموافقة على التصاريح التي تُمنح «لاحتياجات خاصة» في منطقة التماس، والتي تخول حامليها إنجاز الأعمال الزراعية أعلى بكثير. فقد بلغت نسبة هذه التصاريح نحو 90 بالمائة خلال العام 2020، حيث صدرت الموافقة على 3,500 طلب من أصل 3,822 طلبًا قُدم للحصول عليها.

[6] للمزيد من التفاصيل حول المنهجية المستخدمة في جمع البيانات، انظر: النشرة الإنسانية، شباط / فبراير 2014، أثر الجدار على الإنتاجية الزراعية في شمال الضفة الغربية.

[7] ويقع بعض هذه الأراضي داخل المناطق المسيّجة في المستوطنات أو خلف الجدار، مما يفرض على المزارعين أن يمروا عبر بوابة للوصول إليها. وفي حالات أخرى، لا توجد عقبات مادية، ولكن تُفرض القيود من خلال الأوامر والممارسات العسكرية.

[8] فسرت السلطات الإسرائيلية الفرق بين هذين النوعين من المناطق في ردها على ملف التماس رُفع أمام محكمة العدل الإسرائيلية في العام 2019. ويستند هذا الالتماس إلى حكم تاريخي صدر عن المحكمة في العام 2006: القرار (الدعوى رقم 9593/04)، رشاد مراد وآخرون ضد قائد قوات الدفاع الإسرائيلية في يهودا والسامرة.

[9] خرجت بهذا التقدير منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة.

[10] تُحسب هذه المناطق على أنها تشمل كل التجمعات السكانية التي تقع على مسافة تقل عن 1,000 متر من المنطقة المقيد الوصول إليها.

[11] لا تستبعد هذه الحوادث حالات الترويع والتعدي على الممتلكات ومنع الوصول، والتي لم تفض إلى وقوع إصابات أو خسارة في الممتلكات.

[12] لا يزال التماس رفعه فلسطينيون ومنظمة إسرائيلية معنية بحقوق الإنسان إلى محكمة العدل الإسرائيلية لوقف هذه الإجراءات قيد النظر أمام المحكمة (محكمة العدل العليا، الدعوى رقم 825/19، رئيس مجلس قروي ترمسعيا وآخرون ضد وزير الدفاع وآخرين).

النسخة الملزمة للتقرير هي النسخة الإنجليزية